د/ جميل سلطان د/ جميل سلطان
نظام الطبيات (بوصفه خطابا ثقافيا)


    لم يكن نظام الطبيات الذي نهض به الدكتور ضياء العوضي ونشره بين الناس حدثا عابرا، بل كان حدثا كبيرا له آثاره الواسعة في أوساط المجتمعات التي وصل إليها، ولذلك غدا الاهتمام به والحديث عنه شغلا شاغلا لكثير من الناس، وتأتي هذه المقالة مشاركة في هذا الموضوع ولكن من منظور مختلف عما هو متداول. فليس من غايتنا تناوله من منظور طبي بالحديث عن آثاره الطبية إيجابا أو سلبا فهذا أمر متروك للمختصين في الطب، وإنما نتناوله بوصفه خطابا ثقافيا لا بالطريقة الأكاديمية المنضبطة بالمنهج وإجراءاته، بل بروح المقالة وتلقائيتها.
   من المعلوم أن هذا الموضوع لم يعد مقصورا على الحقل الطبي بل تعداه إلى الحقل الاجتماعي، فأصبح شأنا عاما شغل الناس واستأثر باهتمامهم. وبناء على ذلك نستطيع القول بأنه قد أصبح خطابا ثقافيا نظرا لما له من أثر كبير في تشكيل الوعي الجمعي، فقد توافرت فيه أطراف العملية التواصلية المكونة من: مرسل - رسالة – مستقبل.  فالمرسل هنا هو طبيب متخصص وليس رجلا عاديا، وهذا يعطي الرسالة أهميتها وقيمتها وقدرتها على التأثير؛ إذ يقدم في رسالته معلومات تتصل بتخصصه، وهذا يكسبها المصداقية والثقة عند المتلقي، وقد استعمل لغةً سهلةً واضحةً تُبسِّط المعلومات الطبية وتجعلها قريبة المتناول يفهمها عامة الناس، ومن هنا جاء تأثيرها الواسع فيهم. ولا نعني بالتأثير هنا التأثير الطبي من التزام بهذا النظام أو عدمه، وما ينتج عنه من آثار صحية سلبا أو إيجابا. وإنما نعني به التأثير الثقافي الذي حدث في المجتمع ودرجة الوعي التي نشرها بين أفراده. وفضلا عن هذه اللغة السهلة الواضحة فقد أحدث مضمون هذه الرسالة تأثيرا كبيرا في الوعي المجتمعي، والسبب في ذلك هو ما تحمله من المغايرة والخروج عن المعتاد الذي خلخل البنية المألوفة في الوعي الصحي لدى الناس، فقد كان المعتاد أن الأمراض التي تصيب الإنسان تدفعه مباشرة إلى الذهاب إلى المستشفيات والعيادات للعرض على الطبيب ومن ثم استعمال الأدوية المطلوبة. وأنه لا شفاء من الأمراض التي تحتاج إلى الدواء إلا باستعماله. لكن نظام الطيبات قدم رسالة مختلفة صادمة للمتلقي تطرح بديلا غير معهود للدواء وهو الاستشفاء بالطعام وفقا لنظام محدد يسمح بأنواع من الطعام ويمنع أنواعا أخرى. هذا الأمر ولَّد حراكا فكريا ثقافيا تمثل في خطابين: أحدهما خطاب مناهض يرفض نظام الطيبات ويفند إدعاءاته، ويمثله أهل التخصص من الأطباء. والثاني خطاب مدافع يتبنى هذا النظام ويؤكد أهميته ويتحدث عن فوائده، ويمثله المرضى الذين جرَّبوه واستفادوا منه. وخلاصة القول إن نظام الطيبات أصبح خطابا ثقافيا أعاد تشكيل الوعي الجمعي لدى كثير من الناس، ويمكن أن نوجز أثره فيما يلي:
1- أحدث وعيا جديدا بمفهوم الجسد فلم يعد ذلك الكيان الضعيف الذي تصيبه الأمراض وترهقه الآلام، بل هو كيان قوي يملك القدرة على الاستشفاء الذاتي من هذه الأمراض دون الحاجة إلى الأدوية.
2- أحدث وعيا جديدا بمفهوم الطعام المفيد والطعام الضار، فليس كل ما يتاح للإنسان من ألوان الطعام مفيد وله أن يأكل منه ما شاء، فقد أصبح الناس ينظرون إلى الأطعمة نظرة مختلفة تتحكم فيه ثقافتهم الجديدة، وتؤثر في سلوكهم الغذائي.
3- أحدث وعيا جديدا بمفهوم الصحة وطريقة الحفاظ عليها، فقد انتقلت من المستشفيات والصيدليات إلى البيوت والموائد. 
4- أحدث وعيا جديدا بالعلاقة بين المريض والطبيب الصيدلي والمختبري، زلزل الثقة وأعاد طرح السؤال حول هذه العلاقة. ما حقيقتها، وكيف هي الآن، وكيف ينبغي أن تكون؟   
           @متابعين #ضياء_العوضي #نظام_الطيبات

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص