بقلم /عبد الإله عطشان بقلم /عبد الإله عطشان
غرباء تحت سقفٍ واحد لماذا نَرفض المصافحة والكون يتسع لنا جميعاً؟

​بينما تدور أرضنا في فضاءٍ سحيق نتشبث نحن بربوعها كركاب سفينة واحدة في محيطٍ لا يرحم ومع ذلك وبدلاً من أن يشدَّ بعضنا أزر بعض ننشغل بتمزيق أشرعتنا فنسأل العابر عن موطنه قبل اسمه وعن عقيدته قبل جرحه وعن مذهبه وفكره قبل أن نمد له يد العون والمواساة لتظل علامات الاستفهام الحائرة تدوي في الأفق لماذا يكره البشر بعضهم لمجرد الاختلاف؟ وكيف تحولت الميزات الفطرية التي تُثري وجودنا إلى جدران سميكة تفصل بين قلوبنا؟

​إننا لو نظرنا إلى الأرض من نافذة مركبة فضائية فلن نرى خطوطاً حمراء تفصل الدول ولن نلمح لافتات تُصنف البشر حسب أعراقهم أو مذاهبهم بل سنرى كوكباً أزرقاً واحداً ينبض بالحياة وسط عتمة المجهول وهو ما يثبت أن الكراهية النابعة من اختلاف الموطن أو المذهب ليست فطرة إنسانية بل هي خوف مصنوع فنحن نخاف مما نجهله ونستسهل إطلاق الأحكام الجاهزة بدلاً من عناء الفهم والاقتراب فحين نكره الآخر لأن فكرته تختلف عن فكرتنا أو لأن جيناته حملته إلى بقعة أخرى من الأرض فإننا في الحقيقة نُعلن للعالم عن ضيق آفاقنا وخوفنا من أن تهتز مسلماتنا في حين أن الاختلاف ليس تهديداً للهوية بل هو عمق الوجود وثراء التجربة الإنسانية. 

​وتأمل معي الطبيعة من حولك لتدرك هذا السر فلو كانت الأرض كلها صحراء قاحلة أو غابة متشابكة فقط لملّت العين من الرؤية ولو كانت الطيور تغرد بنغمة واحدة لما أطربنا لحن في الصباح ولو كان البشر بنسخة واحدة وأفكار متطابقة لتوقفت عجلة التطور وعشنا في ركود دائم فالتنوع هو الناموس الأسمى الذي يقوم عليه الكون واختلاف الأديان والمذاهب والأفكار هو بمثابة الألوان في لوحة فنية ضخمة حيث غياب أي لون يعني تشويه اللوحة بأكملها والتعايش هنا لا يعني أبداً أن تتنازل عن معتقدك أو تتبنى فكر غيرك بل يعني ببساطة ونضج أنا لا أشبهك لكني أحترم حقك في الوجود كما أنت. 

​إن السلام الحقيقي والوئام البشري لا يبدأ بالمعاهدات الدولية والخطابات الرنانة بل يبدأ بقرارات صغيرة وصادقة نأخذها داخل عقولنا وقلوبنا كل يوم يبدأ عندما ننصت للآخر لنفهمه لا لنرد عليه ونهاجمه وعندما نجرّد الإنسان من ألقابه وقبيلته ودولته قبل أن نحكم عليه متذكرين أنه أب أو ابن أو إنسان يحمل أحلاماً ومخاوف وعواطف تشبه أحلامنا ومخاوفنا تماماً وحين ندرك هذه الحقيقة نصبح أكثر قدرة على بناء الجسور بدلاً من حفر الخنادق.

​أيها الإنسان أياً كان اسمك وأينما كان منشؤك ومهما كانت قبلتك في الصلاة أو وجهتك في الفكر إن المساحة الإنسانية التي تجمعنا أكبر بكثير من الخلافات الطارئة التي تفصلنا فيجمعنا الألم الواحد والأمل الواحد ويجمعنا السعي الفطري نحو حياة كريمة وآمنة فلندع الكراهية جانباً ولنترك للأجيال القادمة أرضاً أرحب وعقولاً أنضج مستبدلين بنظرات الريبة ابتسامات قبول وبلكمات الخصام مصافحات سلام ففي نهاية هذه الرحلة القصيرة على الأرض لن يبقى منا سوى الأثر ولا أثر أجمل ولا أخلد من أن يقال مَرّ من هنا إنسان فزرع في قلوب من اختلفوا معه حباً ومضى. 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص