د/ جميل سلطان د/ جميل سلطان
الهروب من سجن الموبايل


إن علاقة الناس رجالا ونساء كبارا وصغارا بأجهزة الموبايل وعُكوفهم عليها، وتعلقهم بها تعلقا شديدا طغى على حياتهم يُعد مشكلة كبيرة تحتاج إلى إعادة النظر في هذه العلاقة التي أصبحت أشبه ما تكون بعلاقة السجين بسجنه الذي لا يستطيع الهروب منه. غير أن الفرق بين السجن الحقيقي وسجن الموبايل هو أن السجون الحقيقية هي أماكن ضيقة تحيطها الجدران والأسوار، يفقد فيها الإنسان حريته وينقطع عن العالم، وصاحبها يعلم أنه مسجون ومنقطع الصلة بالعالم من حوله.
 أما هذه السجون الحديثة فهي سجون تقنية صغيرة الحجم لا تتسع لغير المكونات التي صُنعت منها، وهي سجون لا يعلم المسجون فيها أنه مسجون؛ لأنها توهم الإنسان بأنها تقدم له الحرية الواسعة وتفتح له أبواب التواصل مع العالم، وتصله به بصورة سريعة جدا وتفتح له نوافذ للتواصل غير محدودة، هذه السجون التي أصبحنا نعيش في أسرها مستمتعين بهذا الأسر فرحين به غير مدركين خطورته على أعمارنا وعلى صحتنا وعلى حياتنا برمتها. هذه السجون التقنية (الهواتف المحمولة) لا نوضع نحن في داخلها بل نضعها في جيوبنا أو نحملها بأيدينا، ونقضي فيها أكثر أوقاتنا وننفق فيها أغلى ساعات أعمارنا ليلا ونهارا، إنها تأخذنا من أنفسنا وتنسينا ذواتنا، لم نعد نستطيع في وجودها معنا أن نخلوا بأنفسنا ولا أن نتحسس مشاعرنا، ونفقد معها علاقتنا الحقيقية بذواتنا وبمن حولنا من الأهل والأقارب والأصحاب، تجعلنا نعيش في عالم افتراضي واسع ومتنوع ولكنه مع ذلك يملؤنا بالشتات والتمزق، ويفصلنا عن عالمنا الواقعي وعما فيه. فقد تجمعنا الأماكن مع الأسرة أو الأصدقاء لكننا في الحقيقة متفرقين فكل واحد يعيش في عالمه الخاص بمعية جهازه أو هاتفه ويتحول أفراد الأسرة الذين يجمعهم بيت واحد إلى جُزر متفرقة معزولة. وبما أننا أصبحنا ننفق في هذه السجون المحمولة أكثر أوقاتنا فإننا بحاجة ماسة لأن نفكر في الهروب منها بقدر استطاعتنا، ولو اقتضى منا ذلك تحديد أوقات إجازة يومية، وأسبوعية، وشهرية، وسنوية، نتحرر فيها من أسر الموبايل، ونعود فيها إلى حياتنا الطبيعية، ولتكن هذه الإجازة كما يأتي: بضع ساعات في النهار وبضع ساعات في الليل، ويومان في كل أسبوع، وأسبوع في كل شهر، وشهران في كل سنة. قد يقال هذا أمر غير ممكن لأننا لا نستطيع أن ننعزل عن العالم في زمن العولمة، وثورة الاتصال والمعلومات، والفضاء المفتوح. سأقول لكم فكروا في هذا الأمر فقط، وقولوا آراءكم فيه. 
 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص