أسرار نسيج بايو: حين تروي خيوط الكتان قصص السلطة والذكورة في العصور الوسطى
متابعات-المشاهدات: 20

تعد قطعة نسيج بايو، التي تعود إلى القرن الحادي عشر، واحدة من أبرز الأعمال الفنية التي وثقت صراعاً تاريخياً على العرش، حيث تروي تفاصيل الغزو النورماني لإنجلترا عبر تطريز دقيق على الكتان بطول 70 متراً. هذا العمل الذي يجسد أحداثاً عن وعود منكوثة وجشع وعدوان، يبلغ ذروته بمصرع الملك هارولد الثاني في معركة هاستينغز.

يُنظر إلى هذا النسيج اليوم باعتباره عالم ذكورية بامتياز؛ إذ يبرز مجتمعاً صُنع بأيدي الرجال ولأجلهم، حيث يشكل المسلحون ثلث الشخصيات المصورة، بينما ينهمك آخرون في أعمال البناء والصيد. ويشير كريستوفر مونك، المؤرخ المتخصص في تاريخ العصور الوسطى، إلى أن المشهد يعد أكثر المشاهد تشبعاً بالتستوستيرون، حيث يتم تصوير العنف كأداة لحسم الخلافات السياسية.

تطريز
تجسد تفاصيل النسيج أحداث الغزو النورماني لإنجلترا.

رموز الهيمنة: لماذا تكررت صور القضيب؟

يكشف الفحص الدقيق للنسيج عن وجود 93 نموذجاً لأعضاء ذكرية، معظمها لخيول، وهو ما يراه المؤرخون رمزاً للمبالغة في استعراض الرجولة والقوة. وتلاحظ المؤرخة جانينا راميريز في كتابها فيمينا أن للحجم أهميته في نسيج بايو، حيث تقترن أكبر الأعضاء بالحصان الفحل الذي قُدّم لويليام، دوق نورماندي، مما يضفي صبغة من الفحولة والهيمنة على الشخصيات القيادية.

تطريز
يعكس حصان ويليام، الذكر المهيمن، فحولة مالكه في النسيج.

النساء في هامش التاريخ

على الرغم من أن السرد الرئيسي يتمحور حول أفعال الرجال، إلا أن النساء يظهرن في لحظات مفصلية. وتؤكد إميلي جوان وارد، المحاضرة في تاريخ العصور الوسطى، أن النساء يؤدين دور علامات ترقيم عاطفية، كما في مشهد الملكة إديت وهي تمسح دموعها عند وفاة زوجها، أو في مشاهد تهجير النساء خلال الحروب. ويشير المؤرخون إلى أن وجود شخصيات نسائية في الهوامش الزخرفية قد يكون تعبيراً عن حرية إبداعية مارستها الراهبات أو السيدات اللواتي شاركن في التطريز، وربما تضمنت انتقادات مشفرة للرجال.

امرأة
امرأة وطفل يقفان في خوف بينما يقوم جنود نورمان بإحراق منزلهما.

حركة أنا أيضاً في العصور الوسطى

تظهر في النسيج شخصية غامضة تُدعى أيلفغيفا، حيث يمد كاهن يده نحو وجهها، بينما يقلد حركته في الهامش الزخرفي رجل عارٍ. ويرى ديفيد موسغروف أن هذا المشهد قد يحمل دلالة على استنكار التحرش الجنسي، في إشارة تشبه إلى حد بعيد حركات المطالبة بالحقوق في العصر الحديث.

تفاصيل
كاهن يرتدي عباءة خضراء يمد يده نحو وجه سيدة تدعى أيلفغيفا.

في نهاية المطاف، يظل نسيج بايو تحفة فنية لا يمكن فهم أبعادها إلا بالاعتراف بالعمل الماهر والذكي للنساء اللواتي صنعنه، بعيداً عن صخب المعارك التي هيمن عليها الرجال. ومع اقتراب عرض القطعة الأصلية في لندن، تستمر تساؤلات المؤرخين حول ما إذا كانت هذه الرموز المشفّرة تعبيراً عن اليأس، أم روحاً مرحة من الفكاهة الشعبية التي ميزت نساء ذلك العصر.

جمهور
وصلت قطعة النسيج الأصلية إلى إنجلترا وسيتم عرضها في لندن.
متعلقات