في خطوة تصعيدية غير مسبوقة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن إطلاق ما أسماه يوم الإنزال الاقتصادي، في محاولة لفرض حصار خانق على إيران عبر قطع كافة شرايين حياتها الاقتصادية. وتأتي هذه الخطوة بعد ستة أشهر من الضغوط العسكرية والحصار البحري التي لم تفضِ إلى النتائج المرجوة، مما دفع الإدارة الأمريكية لتبني نهج التجويع حتى الاستسلام.
استراتيجية المنبوذ الاقتصادي
أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت عن تدشين عملية المنبوذ الاقتصادي، وهي حملة شاملة تستهدف عزل إيران دولياً. وقد أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية خمسة قرارات قطاعية بموجب الأمر التنفيذي (13902)، تفرض عقوبات قاسية تشمل الأصول الرقمية، التكنولوجيا، الذهب، الطيران، والشحن البحري، مع منح واشنطن صلاحيات فرض عقوبات ثانوية على أي كيان أو دولة تتعامل مع هذه القطاعات.
العقوبات الاقتصادية لا تسقط حكومات عاقدة العزم على البقاء. نعم، في وسع العقوبات أن تفقر الشعوب، وأن تقوي الأجهزة الأمنية التي تسيطر على التهريب، وأن تمنح الدولة المستهدفة نقطة التفاف داخلية قوامها الضغينة الأمريكية. لكنها لا تطيح بالحكومات
مخاطر العزلة والصدام مع الصين
يرى مراقبون أن السياسة الأمريكية الحالية تفتقر إلى الواقعية، لا سيما في ظل التداعيات الاقتصادية العالمية. فمحاولة إخراج النفط الإيراني من سوق يعاني أصلاً من نقص الإمدادات بسبب إغلاق مضيق هرمز، قد تؤدي إلى صدمة ركود تضخمي تضرب حلفاء واشنطن في أوروبا واليابان.
أما التحدي الأكبر فيكمن في العلاقة مع الصين، المستورد الأكبر للنفط الإيراني. وقد أبدت بكين استعداداً للمواجهة، ملوحة باستخدام ورقة المعادن النادرة التي تُعد حيوية للصناعات التقنية والسيارات في الغرب، وهو سلاح أثبت فاعليته في جولات سابقة من الصراع التجاري.
تحولات جيوسياسية عالمية
أثار النهج الأمريكي تساؤلات جدية حول مستقبل النظام الدولي. فقد باتت واشنطن في نظر العديد من الدول طرفاً يتنصل من ميثاق الأمم المتحدة ويستخدم الدولار كأداة للابتزاز السياسي. ونتيجة لذلك، بدأت ملامح تغير في التحالفات العالمية تظهر بوضوح:
- البحث عن ترتيبات دفاعية جديدة بعيداً عن المظلة الأمريكية.
- التوجه نحو التخلي عن الدولار في التسويات التجارية الدولية.
- تقليص الاعتماد على التكنولوجيا الغربية لصالح نماذج بديلة، مثل تقنيات الذكاء الاصطناعي الصينية.
على كل حكومة أن تستخلص ثلاث نتائج. أولا، أن الولايات المتحدة تنصلت من ميثاق الأمم المتحدة. ثانيا، أن الضمانات الأمنية الأمريكية لا يعتمد عليها. ثالثا، أن الاعتماد على تجارة قائمة على الدولار يترك البلد مكشوفا أمام العقوبات الأمريكية
إن الرهان الأمريكي على الغطرسة في التعامل مع القوى الدولية يذكّر بمآلات التاريخ القديم؛ حيث انتهى المطاف بالقوى التي مارست الهيمنة المطلقة إلى الهزيمة. وبينما تستعد بكين لزيارة مرتقبة لشي جين بينغ إلى واشنطن، يظل السؤال مطروحاً: هل تنجح أمريكا في سياسة إما معنا أو ضدنا، أم أنها تقود العالم نحو كارثة اقتصادية لا تستثني أحداً؟





