أكثر من مجرد ورق.. الكتب المستعملة خزائن أسرار تروي حكايات أصحابها
متابعات-المشاهدات: 35

في أسواق الكتب المستعملة، لا يقف القارئ أمام مجرد أرفف مكدسة بالورق، بل يجد نفسه في مواجهة ذاكرة ناطقة تختزل حيواتٍ سابقة. فخلف كل غلاف قديم، وبين طيات الصفحات التي تملؤها الهوامش، تتوارى قصص لم يكتبها المؤلفون، بل تركها القراء الذين مروا من هنا.

يقول الكتبي عبد الواحد النعيمة، الذي أمضى سنوات في سوق باب دكالة بمراكش، إن الكتب التي تصل إلى رصيفه لا تأتي محملة بالنصوص فحسب، بل تحمل معها أجزاءً من حياة أصحابها السابقين. يراقب النعيمة يومياً زبائنه وهم يقلبون الصفحات ليس بحثاً عن معلومة، بل بحثاً عن أثر ما، مشيراً إلى أن هذه الأشياء تجعل للكتاب قيمة تتجاوز قيمته المادية أو الأدبية.

الكتبي
الكتبي عبد الواحد النعيمة يسجل كتباً مستعملة وصلت للتو إلى سوق باب دكالة

حين يتحدث الهامش

تتحول الكتب المستعملة إلى شهود على العصر؛ فبين صفحاتها يعثر القراء على رسائل شخصية، بطاقات بريدية لم تُرسل، أو حتى أوراق طبية وتوقيعات مكررة. يرى الناقد المغربي سالم الفائدة أن هذه الآثار تعد وثائق تكشف عن هويات القراء، ومستوياتهم الثقافية، وحالتهم النفسية، وهموم جيلهم.

أشياء
رسائل وبطاقات بريدية عُثر عليها داخل الكتب المستعملة

من جانبه، يؤكد الروائي والناقد شعيب حليفي أن النص يمتلك أكثر من حياة؛ فهو يتجدد مع كل قارئ جديد، وتصبح الكتابة على الهوامش أثراً لحضور إنساني مرّ من هنا، مما يضفي على الكتاب سيرة اجتماعية تتنقل بين البيوت والأجيال.

الناقد
الناقد المغربي سالم الفائدة

المكتبات الخاصة.. سيرة فكرية موازية

خلف وصول الصناديق اليومية إلى الأسواق، غالباً ما تكمن حكاية تفكك مكتبة شخصية. يوضح الناقد والأديب الحسين والمداني أن المكتبة الخاصة تمثل سيرة فكرية موازية لصاحبها، تعكس مساره الثقافي واللغات التي تعامل معها والإهداءات التي تلقاها. وعندما تتشتت هذه المكتبات، تنتقل النسخ لتبدأ حياة جديدة مع قراء لم يعرفوا أصحابها الأصليين.

آثار
آثار وخطوط تركها قارئ سابق داخل كتاب مستعمل
الناقد
الناقد والأديب الحسين والمداني

مصادفات لا تُنسى

يستحضر الروائي شعيب حليفي تجربة شخصية مميزة، حيث عثر في أحد الأسواق الشعبية بالدار البيضاء على نسخة من روايته زمن الشاوية في طبعتها الأولى، ليكتشف بداخلها إهداءً كان قد كتبه لصديق منذ عقود. يصف حليفي هذه المصادفات بأنها تعيد وصل خيوط الذاكرة، مؤكداً أن كل كلمة هي خميرة خيال قادم.

قراء
قراء يبحثون عن كنوز مخبأة بين الكتب في سوق باب دكالة
الناقد
الناقد المغربي شعيب حليفي
تفاصيل
بطاقة بريدية لم تُرسل ظلت عالقة بين الصفحات لسنوات

وهكذا، تظل رحلة الكتاب المستعمل مستمرة؛ من مكتبة مهجورة إلى رصيف عرض، ومن يد قارئ إلى آخر، حاملاً معه أسراراً وتاريخاً لا تظهره بيانات النشر، ليؤكد أن القراءة فعلٌ يتجاوز حدود الزمن والورق.

متعلقات