تطرح شهادات حية وموثقة تساؤلات جوهرية حول تحول المؤسسة التعليمية في سوريا من فضاء للتربية والتعليم إلى ساحة للمراقبة والضبط والتعذيب. يغوص فيلم مدارس أم سجون؟.. طلائع الخوف وشبيبة الطاعة في ذاكرة جيل كامل عاش تجارب قاسية خلف أسوار المدارس، التي تحولت في نظرهم إلى ما يشبه المعتقلات.
يستعيد عبد السلام صبوح، أحد المشاركين في الفيلم، ذكريات طفولته المريرة حين تعرض لعقوبة غرفة الفئران في الصف الرابع، وهي مستودع مظلم مليء بالحشرات، حيث حُبس فيه طوال حصة دراسية كاملة، واصفاً شعوره بالخوف والترقب الذي كان يماثل معاناة السجناء.
عنف ممنهج يتجاوز التربية
لا تتوقف الشهادات عند الحبس الانفرادي، بل تمتد لتشمل أساليب الضرب المبرح بالعصا على اليدين، وتحديداً على العظام، وهو ما يصفه الضحايا بأنه عنف شخصي لا يمت للتربية بصلة. وتشير ميرنا العيسى في شهادتها إلى أن الإهانة اللفظية والنفسية كانت تترك أثراً أعمق وأبقى من الألم الجسدي، مما رسخ في ذاكرة الطلاب ارتباط المدرسة بالخوف بدلاً من المعرفة.
العمارة كأداة للسيطرة
يحلل المعماري خالد تميم نصار التصميم الإنشائي للمدارس السورية، معتبراً أن الجدران العالية، والممرات المستقيمة، والشبابيك الحديدية ليست مجرد تفاصيل هندسية، بل هي انعكاس لمركزية السلطة وفلسفة المراقبة الدائمة. ويصف الطلاب دخول المدرسة بأنها تجربة تماثل دخول ثكنة عسكرية، حيث يغيب الفضاء الإنساني وتطغى أجواء الضبط والترهيب.
من الطلائع إلى الفتوة: تعبئة أيديولوجية
يتتبع الفيلم منظومة التنشئة السياسية التي تبدأ من طلائع البعث وصولاً إلى الفتوة في المرحلة الثانوية. وتروي سهير أومري كيف كان يتم إجبار الأطفال على ترديد شعارات لا يفقهون دلالاتها، مع تعرضهم لعقوبات بدنية مهينة، مثل الزحف على الحصى في المعسكرات، كجزء من عملية ترويض سياسي وانضباطي.
درعا: حين تنقلب المدرسة على الترويض
في عام 2011، تحولت مدرسة الأربعين في درعا من مكان أريد له أن ينتج الطاعة إلى نقطة انطلاق لشرارة الاحتجاجات، بعد كتابة شعارات مناهضة على جدرانها. كانت تلك اللحظة بمثابة كسر لنمط الترويض الذي مورس لسنوات، حيث واجه الأطفال بعدها الاعتقال والتعذيب، مما حول المدارس تدريجياً إلى مراكز أمنية في العديد من المناطق.
واقع التعليم اليوم
لا تزال آثار تلك الممارسات حاضرة في الأزمة التعليمية الراهنة، حيث تشير تقارير دولية إلى خروج ملايين الأطفال من المدارس، وتدمير أو تحويل آلاف المنشآت التعليمية إلى ثكنات أو مراكز احتجاز، مما يجعل التساؤل عن مستقبل التعليم في سوريا قضية ملحة تتجاوز مجرد استرجاع ذكريات الماضي.





