خريطة العالم في قفص الاتهام: لماذا تمردت الأمم المتحدة على ميركاتور؟
متابعات-المشاهدات: 45

في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وجغرافية عميقة، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الرابع من سبتمبر/أيلول 2026 بأغلبية ساحقة لصالح قرار يدعو إلى التخلي التدريجي عن إسقاط ميركاتور -الخريطة التي هيمنت على تصورنا للعالم لأكثر من 400 عام- والتوجه نحو خرائط أكثر دقة في تمثيل المساحات الحقيقية للقارات. أيد القرار 164 دولة، في حين امتنعت 6 دول عن التصويت، وسجلت الولايات المتحدة موقفها الرافض الوحيد للقرار.

لم يكن هذا التصويت مجرد خلاف تقني بين رسامي الخرائط، بل جاء استجابة لحملة قادتها توغو بدعم من الاتحاد الأفريقي، لاستعادة الحجم الحقيقي للقارة السمراء في المخيلة العالمية، بعد قرون من ظهورها على جدران المدارس وشاشات العالم أصغر بكثير مما هي عليه في الواقع.

إسقاط
إسقاط ميركاتور التقليدي (ويكيميديا)

الخرائط كأدوات كاذبة

من الناحية الرياضية، يؤكد علماء الجغرافيا والرياضيات -على رأسهم كارل فريدرك جاوس- أن نقل سطح الأرض الكروي إلى لوحة مسطحة ثنائية الأبعاد بدقة متناهية أمر مستحيل. فمحاولة تسطيح الكرة الأرضية تشبه محاولة فرد قشرة برتقالة دون تمزيقها؛ إذ لا بد من حدوث تشوهات في المساحة، أو الشكل، أو الاتجاه.

محاولة تسطيح قشرة البرتقالة ستبوء دائما بالفشل (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وعلى مدى قرون، أدى اختيار إسقاط ميركاتور -الذي صممه رسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس ميركاتور في القرن السادس عشر لأغراض الملاحة البحرية- إلى تشويه بصري متعاظم؛ حيث تتضخم مساحات الدول الواقعة في الشمال (مثل أوروبا وروسيا وغرينلاند) على حساب القارات الواقعة قرب خط الاستواء. فعلى سبيل المثال، تظهر غرينلاند في خرائط ميركاتور بحجم يقارب أفريقيا، رغم أنها في الواقع أصغر منها بـ14 مرة.

مقارنة بين إسقاط الأرض المتساوية وإسقاط ميركاتور (ويكيميديا)

الخريطة كأداة للهيمنة

يرى الباحثون أن أمية الخرائط لدى الجمهور تجعلهم يتبنون تصورات مغلوطة عن أهمية الدول وقوتها بناءً على أحجامها البصرية. وتشير ماريان فرانكلين، أستاذة الإعلام العالمي بجامعة لندن، إلى أن الخرائط ليست محايدة؛ فهي تتداخل فيها قوة التمثيل مع تمثيل القوة. فاستمرار اعتماد إسقاط ميركاتور عزز في المخيلة الغربية مركزية أوروبا والشمال، وجعل الدول الاستعمارية السابقة تبدو أكثر ضخامة وأهمية، بينما تم تهميش الجنوب العالمي.

إسقاط
إسقاط غال-بيترز الذي يحافظ على المساحات الحقيقية (ويكيميديا)

ما وراء الشمال والأعلى

لا يتوقف الجدل عند المساحات، بل يمتد إلى التوجيه؛ فوضع الشمال في الأعلى ليس حقيقة كونية، بل هو عرف بشري. تاريخياً، اعتمدت خرائط الإدريسي في التراث الإسلامي على جعل الجنوب في الأعلى، وهو ما يثبت أن الخريطة هي نتاج ثقافي وسياسي بقدر ما هي وثيقة علمية.

خريطة
خريطة الإدريسي التي أظهرت الجنوب في الأعلى (غيتي)

البروباغاندا الخرائطية

استُخدمت الخرائط تاريخياً كأدوات سياسية؛ من خرائط المناطق البربرية التي رسمها إدوارد كوين لتبرير الاستعمار، وصولاً إلى الخرائط الدعائية خلال الحرب الباردة التي صوّرت الاتحاد السوفيتي ككتلة حمراء هائلة لترسيخ الخوف. وتؤكد الدراسات الحديثة أن الخريطة حين تقترن بسياق سياسي، يمكنها أن تشكل الرأي العام وتؤثر في القرارات الاستراتيجية للدول.

خريطة
خريطة كوميونيست كونتاجيون التي نشرتها مجلة تايم عام 1946 (جامعة كورنيل)

إن قرار الأمم المتحدة الأخير يمثل محاولة لتصحيح هذا الإرث، داعياً العالم للخروج من سجن ميركاتور البصري، والاعتراف بأن تمثيل العالم ليس مجرد هندسة، بل هو انعكاس للعدالة والإنصاف في رؤيتنا لبعضنا البعض.

متعلقات