نزيف الكفاءات التعليمية في السودان: أجور لا تكفي لأيام تضع مستقبل الأجيال على المحك
متابعات-المشاهدات: 28

في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي يمر بها السودان، بات قطاع التعليم يواجه تهديداً وجودياً مع تفاقم أزمة أجور المعلمين. لم يعد الراتب الشهري، الذي لا يتجاوز في كثير من الحالات 224 ألف جنيه (حوالي 35 دولاراً)، قادراً على تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية، مما دفع الآلاف من الكوادر التربوية إلى حافة الانهيار المهني.

محمد سيد أحمد مسند، معلم وموجه تربوي قضى 37 عاماً في أروقة التعليم، يصف الواقع بمرارة: الراتب لا يصمد لأيام، والوعود الحكومية المتكررة بتحسين الأوضاع المالية بقيت حبراً على ورق، دون أن تلامس واقع المعلم الذي يواجه أعباء معيشية لا تطاق.

تآكل القيمة الشرائية وانهيار البيئة التعليمية

لا تتوقف الأزمة عند ضعف الرواتب، بل تمتد لتشمل تدهور بيئة العمل داخل المدارس. تؤكد إخلاص قاسم، معلمة في الولاية الشمالية، أن حسابات المعلم لم تعد مرتبطة بتدبير شؤون الحياة، بل بـ ترتيب قائمة المؤجلات من احتياجات أساسية. وتضيف: مهنة التعليم أصبحت عبئاً ثقيلاً، والزيادة في الدخل لا تواكب التضخم الجنوني في أسعار الغذاء والمواصلات.

طالبات
طالبات بإحدى المدارس الحكومية في ولاية الخرطوم

موقف لجنة المعلمين: 90% من القيمة تلاشت

من جانبها، كشفت لجنة المعلمين السودانيين عن حجم التدهور، حيث أوضحت درية محمد بابكر، عضو المكتب التنفيذي، أن القيمة الحقيقية لأجور المعلمين تآكلت بنسبة تتجاوز 90% نتيجة انهيار سعر صرف الجنيه السوداني. وأشارت اللجنة إلى أن الكثير من المعلمين اضطروا لترك مهنتهم أو البحث عن مصادر دخل إضافية، بينما يعاني آخرون من ظروف النزوح التي حالت دون عودتهم للعمل.

وتطالب اللجنة بزيادة الإنفاق على التعليم بنسبة لا تقل عن 20% من الموازنة العامة، إلى جانب صرف المتأخرات التي تصل في بعض الولايات إلى 14 شهراً، وتطبيق القرارات المالية المتعلقة بإزالة المفارقات وبدل السكن.

مخاطر على استقرار العملية التعليمية

ويحذر الخبراء التربويون من أن استمرار تجاهل هذه الأزمة سيؤدي إلى فراغ إداري وفني داخل المدارس، مما يفاقم فجوة الكوادر ويؤثر بشكل مباشر على التحصيل الدراسي للطلاب. وعلى الرغم من صدور توجيهات حكومية بتنفيذ بعض القرارات المالية، إلا أن الواقع يشير إلى استمرار صرف المرتبات وفق التعريفة القديمة، مما دفع لجنة المعلمين للتلويح بخطوات تصعيدية.

وحتى ساعة إعداد هذا التقرير، لم يصدر أي تعليق رسمي من وزارة التربية والتعليم حول اتهامات اللجنة بتعطيل تنفيذ الاستحقاقات المالية، وسط حالة من الاحتقان تسود أوساط المعلمين الذين ينتظرون حلولاً جذرية تخرجهم من دائرة العجز المالي.

متعلقات