خلف ستائر الفشل والازدهار: لماذا تنجح أمم وتتعثر أخرى في أفريقيا والشرق الأوسط؟
متابعات-المشاهدات: 42

تظل التساؤلات حول أسباب انهيار الأمم أو ازدهارها اقتصادياً جوهرية لفهم مسارات الدول، حيث تبرز أهمية الأنظمة والقواعد التي تحكم المجتمعات وتوجه بوصلتها وتحدد مدى قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة. إن نجاح الأمم أو إخفاقها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمؤسساتها؛ أي القواعد التي تبتكرها المجتمعات لتحديد أنماط الحوافز والفرص.

وتفشل المجتمعات حين ترتهن لما يسمى المؤسسات الاستخراجية، وهي مؤسسات صُممت خصيصاً لتخدم مصالح قلة من الناس على حساب الأغلبية.

الأزمة الاقتصادية في القارة الأفريقية لا تقتصر على مجرد حسابات مالية، بل هي نتاج مباشر لأزمة سياسية تفتقر إلى مشاريع حقيقية لبناء الدولة.

معضلة التنمية في أفريقيا: إرث الاستعمار والمؤسسات الهشة

يطرح التعثر الاقتصادي التاريخي في أفريقيا تساؤلات ملحة حول جذور المشكلة، بدءاً من إرث الاستعمار وصولاً إلى تحديات إرساء الديمقراطية. لقد خاضت أفريقيا تجربة مريرة مع المؤسسات الاستخراجية، بدءاً من تجارة الرقيق ووصولاً إلى صعوبات بناء مؤسسات سياسية خاضعة للمساءلة في حقبة ما بعد الاستعمار.

وعلى الرغم من وجود كوادر حسنة النية في المؤسسات الدولية، إلا أن المقاربات الاقتصادية التقليدية غالباً ما تغفل طبيعة المعضلات المؤسسية العميقة، مما يجعل هذه المؤسسات بعيدة عن تقديم حلول جذرية للأزمات الأفريقية.

أفريقيا ومأزق المشروع السياسي

تمثل نيجيريا نموذجاً صارخاً لمفارقة الموارد الهائلة والتعثر التنموي، حيث تغيب العقود الاجتماعية الفاعلة. فبينما تمتلك البلاد طاقات بشرية هائلة، يظل غياب نظام سلطة شرعي يخدم الصالح العام حجر عثرة أمام التقدم.

لقد انحدرت السياسة في العديد من الدول الأفريقية نحو نهج زبائني يعتمد على عقلية دورنا لنأكل، مما أدى إلى تبخر الموارد في غياهب الفساد. وبالمقارنة مع فترة ما بعد الاستقلال، حيث امتلك قادة مثل نكروما ونيريري رؤى فلسفية لبناء الدولة، تفتقر أفريقيا اليوم إلى أفكار تبلور مشروعاً سياسياً قابلاً للتطبيق وطنياً.

أكثر ما تحتاجه أفريقيا اليوم هو أفكار من هذا القبيل؛ أفكار تبلور شكلاً لمشروع سياسي قابل للتطبيق وطنياً، وتحدد عناصره، وإستراتيجية التواصل الخاصة به، وآليات تنفيذه.

التباين المؤسسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

عند إسقاط النظريات الاقتصادية على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تتكشف خريطة معقدة من التناقضات:

  • نماذج الأنظمة الاستبدادية: دول مثل العراق وسوريا عانت من أنظمة اختطفت الدولة لصالح فئات ضيقة، مما أسفر عن تداعيات اقتصادية وسياسية كارثية، وهو ما دفع الشعوب للانتفاض في أحداث الربيع العربي.
  • نماذج التحديث: في المقابل، تقدم منطقة الخليج، وتحديداً الإمارات وقطر، نموذجاً مغايراً تماماً؛ حيث نجحت النخب في توظيف هياكل السلطة التقليدية لبناء مؤسسات بالغة الفاعلية، وهو أمر يغيب عن المشهد في أجزاء واسعة من أفريقيا.

وفي ظل المخاض الجيوسياسي العالمي وتراجع الأحادية القطبية، يعاد رسم خريطة النفوذ في هذه المناطق وفق منطق المصالح والبراغماتية، مما يضع الدول أمام تحدي بناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على التكيف مع المتغيرات الدولية.

ربما لا يمتلك البنك الدولي رؤية واضحة عما ينبغي اتخاذه في أفريقيا؛ إذ يعتمد على مقاربة اقتصادية تقليدية للغاية في تفسير مشكلاتها، دون أن يدرك بعمق طبيعة المعضلات المؤسسية أو الحلول الناجعة لها.
متعلقات