تتخذ الحرب الدائرة حالياً في منطقة الخليج نمطاً مغايراً للحروب التقليدية التي عرفها التاريخ. ففي العادة، تنتهي النزاعات إما بانتصار حاسم يفرض فيه المنتصر شروطه، أو بالوصول إلى حالة من الإنهاك المتبادل تدفع الأطراف نحو تسوية تحفظ المصالح وتنهي حالة الاستنزاف، كما حدث في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات دون تحقيق أهداف استراتيجية لأي من الطرفين.
إخفاقات النموذج الأمريكي
بالنظر إلى التاريخ الحديث للحروب الأمريكية، يتضح أن الولايات المتحدة لم تحقق أهدافها السياسية في معظم تدخلاتها العسكرية. فمن فيتنام، حيث انتهى التدخل باتفاق باريس وانسحاب أمريكي، إلى أفغانستان التي شهدت انسحاباً فوضوياً، وصولاً إلى العراق الذي أدى التدخل الأمريكي فيه إلى تعزيز نفوذ إيران بدلاً من تقليصه؛ يبدو أن واشنطن تفتقر إلى القدرة على التعلم من تجاربها السابقة قبل خوض غمار نزاع جديد.
طبيعة الحرب الراهنة: صراع الديكة
تخرج الحرب الحالية في الخليج عن المألوف؛ فهي ليست حرباً شاملة تهدف للحسم، وليست حرباً توقفت بسبب الإنهاك. لقد شهدنا جولات من التصعيد بين واشنطن وإسرائيل من جهة، وطهران من جهة أخرى، تليها فترات من التوقف المفاجئ دون تحقيق الأهداف المعلنة، كالقضاء على البرنامج النووي الإيراني. هذا النمط يشبه صراع الديكة؛ حيث يتبادل الطرفان الضربات مع استمرار كل منهما في ادعاء القدرة على المواجهة، في وقت تظل فيه إسرائيل بعيدة عن دائرة الاستهداف المباشر في هذا التنافس الإرادي.
رهان العقوبات: هل ينجح الضغط الاقتصادي؟
يراهن الرئيس ترامب على سياسة الضغط الأقصى والعقوبات الاقتصادية، مستذكراً الحصار الذي فُرض على العراق سابقاً. ومع ذلك، يرى المحللون أن المقارنة غير دقيقة؛ فإيران تمتلك عمقاً جغرافياً وحدوداً مفتوحة مع دول عدة، فضلاً عن سواحلها على بحر قزوين التي تضمن لها منافذ حيوية، مما يجعل من الصعب إخضاعها عبر الحصار وحده، خاصة وأن خيار المواجهة العسكرية يظل مطروحاً لدى القيادة الإيرانية التي أصبحت أكثر تشدداً رغم الخسائر في البنية التحتية والقيادات.
أزمة الملاحة.. الأولوية الجديدة
مع تعثر تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية للحرب، برزت قضية حرية الملاحة في مضيق هرمز كأولوية عالمية لتجنب حدوث ركود اقتصادي دولي. لقد تحولت هذه القضية إلى محور الاهتمام الدولي، مما أدى إلى تراجع النقاش حول الأسباب الأصلية لاندلاع الحرب.
ضرورة الوساطة الدولية
في ظل هذا الانسداد، تصبح الحاجة ملحة لتكثيف جهود الوساطة التي تقودها دول مثل سلطنة عمان وقطر وباكستان، مع ضرورة انخراط قوى دولية كبرى كالصين وأوروبا. إن الوصول إلى تسوية وسطى لم يعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة لحماية أمن المنطقة، وضمان تدفق الطاقة العالمي، وتجنيب الدول العربية تبعات صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.





