لم يكن الانتقال من عصر الكاسيت إلى فضاء المنصات الرقمية مجرد تغيير تقني في وسائل الاستماع، بل كان تحولاً جذرياً في علاقة الفنان بجمهوره وفي القواعد الراسخة لصناعة النجومية. فبينما كانت شركات الإنتاج سابقاً هي المحرك الأساسي لاختيار الفنان وتمويل أعماله وقيادة حملات الترويج له، أصبح الطريق اليوم أكثر مباشرة، وأكثر تعقيداً في آن واحد.
من صناعة النجم إلى صناعة الترند
في الزمن التقليدي، كانت النجومية تتشكل عبر سنوات من العمل المتراكم، حيث لا تُقاس قيمة الفنان بأغنية واحدة، بل بمسيرة كاملة وحضور جماهيري مستمر، وهو ما ينطبق على أسماء مثل عمرو دياب، وكاظم الساهر، وأصالة. أما اليوم، فقد فرضت منصات مثل يوتيوب وتيك توك واقعاً جديداً، حيث أصبح المقطع القصير كافياً لإطلاق اسم جديد وتحويله إلى ظاهرة جماهيرية.
وقد برزت نماذج انتقالية، كتامر حسني الذي جمع بين أدوات النجم التقليدي والانتشار الرقمي، وسعد لمجرد الذي أثبتت أغنياته قدرة المنصات على كسر الحدود الجغرافية. أما الجيل الحالي، ممثلاً بأسماء كالشامي وتوليت، فقد نشأ بالكامل داخل البيئة الرقمية، حيث الهاتف الذكي هو نقطة الانطلاق والمكان الذي يولد فيه النجم.
@alshami.music1
هل تصنع المنصات نجوماً أم تكتفي بزيادة سرعة الوصول؟
يرى الناقد الفني ربيع فران أن سرعة الانتشار لا تعني بالضرورة ولادة نجم قادر على الاستمرار. ويشبه فران المشهد الحالي ببدايات الألفية مع انطلاق قناة ميلودي، مؤكداً أن البقاء لمن يبني مسيرته بالعمل المتواصل لا لمن يصنع فقاعات إعلامية قد تختفي بكبسة زر، مشدداً على أن الأرقام التي يحققها البعض اليوم لا تضمن بالضرورة الخلود الفني.
من الذاكرة إلى الاستهلاك اللحظي
أعادت المنصات الرقمية تشكيل علاقة الجمهور بالأغنية؛ فبعد أن كانت الموسيقى تُقتنى كجزء من تجربة وجدانية، أصبحت اليوم تستهلك بضغطة زر. يرى المخرج شربل الغاوي أن السرعة انتصرت على الشغف، حيث لم يعد الجمهور يبحث عن الأغنية، بل أصبحت الأغنية تلاحق المستمع في كل مكان، مما جعل الأغنيات القديمة أكثر عمقاً وأثراً لأنها ارتبطت بطقوس الانتظار والامتلاك.
سلطة الخوارزميات
انتقلت السلطة من شركات الإنتاج إلى الخوارزميات؛ حيث أصبح نجاح الأغنية مرهوناً بقدرتها على جذب التفاعل وتحولها إلى مقطع متداول (Viral). ويشير أمين أبي ياغي، مدير أعمال سابق لعدد من النجوم، إلى أن الذكاء الاصطناعي والمنصات فرضوا قواعد جديدة؛ فإذا لم تضرب الأغنية على تيك توك، فقد تظل حبيسة الأدراج الرقمية.
ويختتم أبي ياغي بأن الاستمرارية تظل حكراً على الفنان المجتهد صاحب الكاريزما، الذي يدرك كيف يوظف هذه الأدوات لصالحه، رغم أن طبيعة الصناعة اليوم تجعل من الصعب التنبؤ بمن سيبقى في ذاكرة الجمهور ومن سيختفي بانتهاء الترند.


