بعد خمس سنوات من عودتها إلى السلطة في أفغانستان، نجحت حكومة طالبان في كسر حالة العزلة الدولية، ليس عبر الاعتراف السياسي الرسمي، بل من خلال بناء شبكة واسعة من العلاقات الأمنية والتجارية والطاقوية مع قوى إقليمية ودولية متعددة.
وعلى الرغم من أن روسيا اتخذت خطوة رمزية في يوليو 2025 بكونها أول دولة تعترف رسمياً بالحكومة الأفغانية، إلا أن المجتمع الدولي لا يزال يمتنع عن منح اعتراف سياسي كامل. ومع ذلك، اندمجت كابول بفاعلية في المشهد الدبلوماسي الإقليمي، وباتت علاقاتها مع العديد من الدول في حالة نمو متصاعد.
توسع النفوذ الدبلوماسي
أكد وزير الخارجية الأفغاني، أمير خان متقي، أن كابول تتعامل حالياً مع أكثر من 40 بعثة دبلوماسية، تشمل سفارات وقنصليات، إلى جانب عشرات المنظمات الدولية العاملة في البلاد. وتبرز الصين كواحدة من أهم الشركاء؛ حيث تتعاون بكين مع كابول في مجالات الأمن والاستثمار، لا سيما في قطاع التعدين، بمشاريع ضخمة مثل منجم لوغار للنحاس الذي تقدر استثماراته بنحو 3.4 مليار دولار. وقد قبلت الصين أوراق اعتماد سفير طالبان في بكين في يناير 2024، في خطوة تعكس براغماتية العلاقة بعيداً عن الاعتراف الرسمي.
التجارة الإقليمية وديناميكيات التوتر
تشهد العلاقات مع باكستان تعقيداً متزايداً؛ فبعد أن كانت إسلام آباد حليفاً رئيسياً، تدهورت العلاقات على خلفية اتهامات متبادلة حول دعم حركة تحريك طالبان باكستان. وفي المقابل، تتجه كابول نحو تنويع طرق تجارتها عبر إيران وآسيا الوسطى لتقليل الاعتماد على الموانئ الباكستانية.
في غضون ذلك، تعزز أوزبكستان روابطها الاقتصادية عبر اتفاقيات تجارية بقيمة 520 مليون دولار، مع التخطيط لمشروع سكك حديدية يربط آسيا الوسطى بباكستان عبر أفغانستان. كما تستمر تركمانستان في دفع مشروع خط أنابيب الغاز تابي (TAPI)، رغم التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المشروع.
ويرى خبراء أمنيون أن القلق المشترك من تنظيم داعش (ISIL) يشكل دافعاً قوياً لروسيا ودول آسيا الوسطى للتعاون مع طالبان، نظراً لقدرة الحركة على ضبط الحدود والحفاظ على درجة من الاستقرار الأمني.
موازنة القوى الإقليمية والمواقف الغربية
تتبع طالبان سياسة التوازن البراغماتي في التعامل مع القوى الإقليمية؛ فإيران توفر ميناء جابهار كمسار تجاري بديل، بينما تسعى الهند لإعادة بناء نفوذها لموازنة الحضور الصيني والباكستاني. أما دول الخليج، مثل قطر والسعودية والإمارات، فتحتفظ بحضور دبلوماسي في كابول، وإن كان بوتيرة أكثر تحفظاً مقارنة بدول الجوار.
على الصعيد الغربي، يقتصر التواصل مع كابول على ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة والمساعدات الإنسانية، حيث تظل قضايا حقوق المرأة والحوكمة عائقاً رئيسياً أمام أي اعتراف رسمي. ويؤكد مراقبون أن العلاقات مع واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي ظلت قائمة منذ الانسحاب الأمريكي، لكنها محصورة بشكل أساسي في النطاقات الأمنية والاستخباراتية.


