في مخيمات النزوح وسط قطاع غزة، تبدأ حياة الأطفال بروتين قسري لا يعرف الرحمة. ميسارة زقوت، ذات العشر سنوات، تقضي أيامها في حالة ترقب دائم لوصول شاحنات المياه، حيث تترك مقاعد الدراسة في الخيمة التعليمية بمجرد سماع صرخات الجيران بوصول المياه، لتسارع مع أخيها الصغير جواد في محاولة لتأمين احتياجات عائلتهما المكونة من ستة أفراد.
أجساد صغيرة تحت أثقال كبيرة
لا تتوقف المعاناة عند انتظار المياه، بل تمتد لتشمل مهام شاقة تستنزف طاقة الأطفال البدنية. يامن صالح (12 عاماً) وشقيقه أمان (6 أعوام) يقضيان ساعات طويلة في طوابير الانتظار، مما تسبب لهما بآلام حادة في الظهر والكتفين، ناهيك عن مخاطر السقوط المتكرر تحت ثقل أوعية المياه.
تؤكد الدكتورة سمية صلاح، العاملة في العيادات الطبية وسط القطاع، أن هذه الممارسات اليومية أدت إلى تفشي إصابات خطيرة بين الأطفال، مثل الانزلاقات الغضروفية، وتشوهات العمود الفقري (الجنف)، وإجهاد العضلات المزمن. وتوضح صلاح أن هذه الحالات التي كانت نادرة قبل أكتوبر 2023، أصبحت الآن مشهداً يومياً في عيادتها.
أزمة إنسانية تتفاقم
تشير تقديرات اليونيسف إلى أن نحو 82% من العائلات في غزة تعاني من انعدام الأمن المائي، حيث لا تستطيع 70% منها الوصول إلى الحد الأدنى من المياه (6 لترات للفرد يومياً). ويؤكد محمد مصلح، رئيس بلدية مخيم المغازي، أن نقص قطع الغيار والوقود اللازم لتشغيل مضخات المياه، بالإضافة إلى الحصار المفروض، جعل من تأمين المياه تحدياً مستحيلاً لأكثر من 5000 عائلة في المخيم.
ندوب نفسية وأحلام مجهضة
تتجاوز الآثار الجسدية لتصل إلى عمق النفسية؛ حيث تصف الأمهات تحول أطفالهن إلى بالغين صغار تسيطر عليهم مشاعر القلق، والحدة، وفقدان الشغف. ميسارة، التي تعود أحياناً بوعاء فارغ، تعبر عن قهرها بكلمات موجزة: إنه ليس عدلاً.
التمسك بالأمل
رغم قسوة الواقع، يصر أهالي غزة على التمسك ببصيص من الأمل من خلال التعليم. تحرص العائلات على اصطحاب الشهادات المدرسية في رحلات نزوحهم، وتعمل اللجان المحلية على تنظيم خيام تعليمية وأنشطة ترفيهية للتخفيف عن الأطفال. ويختم محمد زقوت، رئيس لجنة المخيم، بالقول: نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً، ونحلم فقط بيوم يعيش فيه أطفالنا بكرامة وأمان، بعيداً عن أثقال المياه وحروب الكبار.


