سوريا ما بعد الأسد: هل يتحول المجتمع المدني إلى شريك للدولة أم خاضع لسلطتها؟

سوريا ما بعد الأسد: هل يتحول المجتمع المدني إلى شر

دمشق – بعد 13 عاماً من الحرب، يعيش المجتمع المدني في سوريا مرحلة انتقالية حرجة، حيث تسعى المنظمات التي نشأت في ظل غياب الدولة إلى إيجاد مكان لها في ظل عودة المؤسسات الرسمية. وبينما يطمح البعض إلى شراكة حقيقية، يخشى آخرون من عودة الهيمنة الأمنية تحت مسميات تنظيمية جديدة.

بهجت حجار، نائب وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، الذي انتقل من العمل في وحدة المجالس الإدارية المحلية خلال سنوات الحرب إلى داخل أروقة الحكومة، يؤكد أن هذه المرحلة مفصلية. يقول حجار: العلاقة مع المجتمع المدني هي أحد أهم مفاصل إعادة تشكيل الدولة. ويشير إلى أن النظام القديم كان يربط ترخيص الجمعيات بموافقة الأجهزة الأمنية، حيث كان الترخيص نادراً، أما اليوم فقد أصبحت الإجراءات أسهل بكثير، مع شرط أساسي يتمثل في عدم وجود سجل جنائي للمؤسسين.

بهجت
بهجت حجار يعمل الآن ضمن الحكومة السورية بعد سنوات قضاها في قطاع المجتمع المدني [تصوير: أحمد خليل خنجي]

عقد من الارتجال

يصف معتصم سوفي، المدير التنفيذي لمنظمة اليوم التالي، المشهد المدني السوري بأنه تراكمي؛ حيث تداخلت الجمعيات الخيرية القديمة مع المنظمات الإغاثية التي ولدت من رحم الانتفاضة، ولجان التنسيق التي ظهرت عام 2011. ويؤكد سوفي أن المجتمع المدني اكتسب قدرة على العمل تحت الضغط، لكنه لم ينجح في بناء فضاء مدني ناضج بسبب ظروف الحرب وغياب الدولة المستقرة.

تحديات الشرعية والتمويل

مع عودة الدولة، تواجه المنظمات معضلة جوهرية: هل تستمر في تقديم الخدمات (كالتعليم والصحة) التي بدأت الوزارات باستعادتها؟ يرى الناشط بشار مبارك أن مؤسسات الدولة لا تزال ضعيفة وتحتاج إلى خبرات المنظمات التي عملت طوال العقد الماضي، لكنه يحذر من أزمة شرعية محلية؛ فبعض المنظمات أصبحت مرتبطة بأجندات المانحين أكثر من ارتباطها باحتياجات مجتمعاتها المحلية، مما يجعلها غريبة في نظر الناس.

تظل القوانين العالقة نقطة توتر؛ حيث لا يزال قانون عام 1958 يحكم عمل الجمعيات، ويفرض الحصول على موافقة مسبقة للتمويل الخارجي، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية عودة للأطر القمعية، بينما تظل مناقشات صياغة قانون جديد جارية.

عليا
الناشطة السورية عليا شمس توضح انقسام المجتمع المدني بين مؤيد ومتحفظ ورافض للتسجيل في ظل القواعد الجديدة [تصوير: أحمد خليل خنجي]

مستقبل العلاقة: شراكة أم رقابة؟

ترى الناشطة عليا شمس أن المجتمع المدني اليوم ينقسم إلى ثلاث فئات: من سجلوا وعملوا وفق القواعد الجديدة، ومن يرفضون التسجيل لعدم الثقة، ومن يتبنون خطاب الحكومة بشكل كامل. وتشير شمس إلى أن مساحة العمل المدني بدأت تضيق تدريجياً بعد الأسابيع الأولى التي تلت سقوط النظام، مما يجعل الدفاع عن هذا الفضاء ضرورة ملحة.

من جانبه، يصر نائب الوزير بهجت حجار على أن الهدف ليس العودة لنموذج ما قبل 2011، حيث كانت الأجهزة الأمنية هي صاحبة القرار. ويختم حجار قائلاً: لا نريد العودة لنموذج الرقابة، والمجتمع المدني لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الدولة. المطلوب اليوم ليس الوصاية ولا الصراع، بل الشراكة لتحويل الخبرات المكتسبة خلال الحرب إلى طاقة تبني سوريا الجديدة.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص