يشهد الحزب الديمقراطي الأمريكي تحولاً هيكلياً لافتاً مع صعود متسارع لمرشحين يتبنون أجندة تقدمية، في ظل تراجع ملموس لنفوذ التيار التقليدي المرتبط بمصالح الشركات الكبرى، وهو تحول يأتي استجابة للضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تنهك الطبقة العاملة الأمريكية.
يؤكد روبرت رايش، وزير العمل الأمريكي الأسبق وأستاذ السياسات العامة بجامعة كاليفورنيا، أن هذا الصعود التقدمي ليس محاولة لتبني الأيديولوجيا الاشتراكية، بل هو بحث براغماتي من الناخبين عن مرشحين يدافعون عن مصالحهم المعيشية في مواجهة تغول الأثرياء ونفوذ الشركات.
انكشاف نفوذ الشركات
يرى رايش أن السياسات الاقتصادية خلال الحقبة الماضية ساهمت في تعرية العلاقة بين السلطة والشركات الكبرى، التي استفادت بشكل غير متناسب من العقود الحكومية والإعفاءات الضريبية. وأصبح الناخبون اليوم يطالبون بسياسات تجعل تكاليف السكن، والغذاء، والرعاية الصحية، ورعاية الأطفال في متناول اليد، بدلاً من الانصياع لأجندات كبار المانحين وقطاع وول ستريت.
ويستشهد رايش بنموذج فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية بولاية ميشيغان، معتبراً إياه دليلاً على أن المواجهة الانتخابية باتت معركة فاصلة حول مستقبل الحزب بين تيار الشركات والتيار التقدمي.
إرث الثمانينيات وعقدة التمويل
يرجع رايش جذور الخلل إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأ الديمقراطيون في الكونغرس الاعتماد بشكل متزايد على تمويل الشركات ووول ستريت. هذا الاعتماد المالي أدى -حسب قوله- إلى إضعاف قدرة الحزب على تبني سياسات حازمة لصالح العمال، رغم الإنجازات الاجتماعية التي تحققت في فترات إدارات ديمقراطية سابقة.
ويشير رايش إلى أن إدارتي بيل كلينتون وباراك أوباما، رغم نجاحهما في ملفات مثل الرعاية الصحية، فشلتا في معالجة جذور التفاوت الاقتصادي، ودعمتا اتفاقيات تجارة حرة أضرت بالعمال، بالتزامن مع تراجع دور النقابات العمالية.
يرى رايش أن على الحزب الديمقراطي إعادة تعريف هويته والعودة إلى التركيز على مصالح العمال، وهو ما يتطلب مواجهة نفوذ الشركات والأثرياء وإعطاء الأولوية لقضايا الأجور والسكن والرعاية الصحية.
فرصة لإعادة بناء الحزب
يخلص رايش إلى أن التحولات الانتخابية الأخيرة تعكس بداية انحسار قدرة الأموال الكبيرة على توجيه مسار الحزب، مشدداً على أن الحزب الديمقراطي يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف هويته، بشرط التخلي عن سياسات المحاباة الاقتصادية والعودة لتمثيل الطبقات الوسطى والعمالية التي تعاني من تراجع الأمان الوظيفي وارتفاع تكاليف المعيشة.


