بعد مرور خمسة عشر عاماً على سقوط نظام معمر القذافي، تشهد الساحة الليبية تحولاً لافتاً في تعامل القوى المتنافسة مع الملفات العالقة؛ فبدلاً من لغة السلاح التي هيمنت لسنوات، بدأت الأطراف السياسية والعسكرية تتبنى نهجاً يقوم على المساومة لضمان استمرار بقاء المؤسسات، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة.
في أبريل الماضي، سجلت ليبيا سابقة هي الأولى من نوعها منذ عقد، حيث اتفقت الهيئات التشريعية المتنافسة على ميزانية موحدة بلغت 190 مليار دينار (حوالي 30 مليار دولار)، تم توزيعها بين المعسكرين الشرقي والغربي، مما يعكس رغبة مشتركة في الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن المالي.
إرث الانقسام ومحاولات التوافق
منذ انتفاضة 2011، عانت ليبيا من صراع مستمر أدى إلى تفتت المؤسسات. ورغم أن انتخابات 2012 مثلت لحظة فارقة في التداول السلمي للسلطة، إلا أن البلاد انزلقت لاحقاً في دوامة من الصراعات المسلحة وتعدد الحكومات.
توالت المبادرات الأممية، من حكومة الوفاق الوطني إلى حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، لكن تعثر إجراء الانتخابات في ديسمبر 2021 أعاد البلاد إلى مربع التنافس بين إدارتين متوازيتين؛ واحدة في الغرب وأخرى مدعومة من البرلمان في الشرق.
تطورات ميدانية: من التصعيد إلى التدريبات المشتركة
على الرغم من الجمود السياسي، شهدت الخطوط الفاصلة بين الميليشيات تحولاً نوعياً؛ ففي أبريل الماضي، أجرت قوات من الشرق والغرب تدريبات عسكرية مشتركة بإشراف أمريكي في مدينة سرت، في خطوة غير مسبوقة حضرها قيادات عسكرية من الطرفين، بينهم صدام حفتر والمسؤولون بوزارة الدفاع في طرابلس.
إلا أن هذا الهدوء على جبهات القتال يقابله تصاعد في وتيرة العنف الداخلي داخل المعسكرات ذاتها، حيث شهدت الفترة الأخيرة اغتيالات طالت قيادات أمنية وعسكرية في كل من طرابلس وبنغازي، مما يشير إلى بروز تحديات أمنية من نوع جديد.
الاقتصاد كبوصلة للحل
أدركت الأطراف الليبية أن إغلاق الموانئ والحقول النفطية، الذي كبد الدولة خسائر بمليارات الدولارات، أصبح ورقة ضغط مكلفة للجميع. وقد أدى هذا الإدراك إلى محاولات لتنظيم تصدير النفط بعيداً عن الصراعات المباشرة، رغم التحديات التي تواجه هذه الترتيبات.
تأتي هذه التحركات وسط أزمة معيشية خانقة يعاني منها المواطن الليبي، حيث تدهورت قيمة الدينار الليبي بشكل حاد في السوق الموازية، وتكررت أزمات الكهرباء والمياه، مما يضع الطبقة السياسية أمام اختبار حقيقي: هل يمكن لهذه المساومات الاقتصادية أن تتطور لتصبح اتفاقاً سياسياً شاملاً ينهي عقداً ونصف من الانقسام؟


