تفتح الجولة الجديدة من العقوبات الأمريكية على إيران مرحلة أكثر اتساعاً من الضغوط الاقتصادية، حيث تنتقل واشنطن من استهداف طهران مباشرة إلى ملاحقة الدول والبنوك والشركات التي توفر للاقتصاد الإيراني منافذ للتجارة والتمويل، بهدف جعل كلفة التعامل مع إيران تفوق عوائدها الاقتصادية.
عملية المنبوذ الاقتصادي
أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ما أسمته عملية المنبوذ الاقتصادي، التي توسع نطاق العقوبات الثانوية لتهدد بحرمان أي جهة تسهل التجارة الإيرانية من الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار. وتستهدف هذه الإجراءات نحو 60 شخصاً وكياناً وسفينة مرتبطة بقطاعات النفط، والبرامج النووية والصاروخية، إضافة إلى تشديد القيود على الأصول الرقمية والذهب والتكنولوجيا والطيران والشحن البحري.
ويؤكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن واشنطن تسعى لـ قطع كل شريان اقتصادي يربط النظام الإيراني بالعالم، مشدداً على أن الدول والشركات التي تواصل شراء النفط الإيراني أو نقل الأموال لصالح طهران لن تكون بمنأى عن العقوبات.
قوة الدولار كأداة ضغط
لا تملك الولايات المتحدة سلطة قانونية مباشرة تلزم الدول بوقف تجارتها مع إيران، لكنها تمتلك سلطة فعلية عبر النظام المالي المرتبط بالدولار. وتعتمد فلسفة العقوبات الثانوية على تخيير الطرف الثالث بين مواصلة نشاطه مع إيران أو الحفاظ على قدرته في الوصول إلى الاقتصاد الأمريكي.
ويوضح خبراء اقتصاديون أن حرمان أي بنك من حساباته المراسلة بالدولار يحد من قدرته على تسوية المعاملات الدولية، كما أن الإدراج على قوائم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية يجمد الأصول ويجعل المؤسسات المالية العالمية تحذر من التعامل مع الكيان المستهدف.
تجربة الانسحاب
سبق أن اختبرت إيران هذه الآلية عام 2018، حيث دفعت مخاطر العقوبات الأمريكية شركات أوروبية كبرى للانسحاب من السوق الإيرانية. ويعد تغريم بنك بي إن بي باريبا الفرنسي بنحو 9 مليارات دولار عام 2014 مثالاً صارخاً على المخاطر التي تأخذها المؤسسات المالية في حساباتها.
الصين: الاختبار الأصعب
يظل نجاح واشنطن في فرض عزلة اقتصادية كاملة مرهوناً بموقف الصين، المشتري الرئيسي للنفط الإيراني. فرغم تراجع الشحنات المتجهة إلى الصين مؤخراً، تظل بكين تمثل الهدف الحقيقي للعقوبات. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن الصين قد تتبع سياسة اقتصاد الظل عبر الاعتماد على بنوك صغيرة ووسطاء لتجنب مواجهة مباشرة مع النظام المالي الأمريكي.
اقتصاد تحت الضغط
يأتي التصعيد الجديد في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من انكماش متوقع بنحو 5.4% خلال 2026، مع معدلات تضخم مرتفعة تقترب من 69%. وتتمثل مخاطر العقوبات في ثلاثة مسارات:
- انخفاض إيرادات النقد الأجنبي.
- اتساع عجز المالية العامة.
- تراجع قدرة البنك المركزي على دعم الريال، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية.


