بعد رفع تصنيف الدولة الراعية للإرهاب: هل يمتلك الاقتصاد السوري مقومات التعافي المستدام؟

بعد رفع تصنيف الدولة الراعية للإرهاب: هل يمتلك ا

بعد سنوات من الحرب والعزلة، بدأت مؤشرات الاقتصاد السوري تعكس حراكاً يتجاوز مجرد استئناف النشاط اليومي؛ إذ تشهد التجارة عبر الحدود نمواً ملحوظاً، وتستعيد مشروعات الطاقة موقعها في خطط التعافي، وسط محاولات دؤوبة لإعادة ربط البلاد بالاقتصادين الإقليمي والدولي.

إشارة واشنطن وتحول المشهد القانوني

في 24 أغسطس/آب الجاري، أنهت الولايات المتحدة إدراج سوريا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد مسار مراجعة في الكونغرس استمر نحو 47 عاماً. ويمثل هذا القرار تحولاً جوهرياً في علاقة دمشق بالنظام المالي الدولي، إلا أن الخبراء يحذرون من أن الأثر الاقتصادي لهذا الإجراء لا يقاس بالرمزية السياسية وحدها، بل بمدى انعكاسه على تسهيل التحويلات البنكية، وتغطيات التأمين، وقواعد الامتثال التي تمنع تجميد الأموال.

التجارة والخدمات اللوجستية: رهان على الموقع الجغرافي

تعد التجارة مع تركيا أحد أبرز مؤشرات العودة إلى خريطة النشاط الإقليمي، حيث بلغ التبادل التجاري بين البلدين 3.75 مليارات دولار خلال عام 2025، بزيادة 45% عن العام السابق. ولا تتوقف أهمية هذه الأرقام عند التبادل الثنائي، بل تتعداها إلى استعادة سوريا وظيفتها كممر بري يربط تركيا وأوروبا بالأردن والخليج.

ملف الطاقة: عصب التعافي الاقتصادي

لا يمكن فصل طموح الانفتاح عن ملف الطاقة؛ فالكهرباء هي الشرط الأساسي لتشغيل المصانع وخفض تكاليف الإنتاج. وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن نمو الاقتصاد السوري خلال عام 2026 قد يتجاوز 10%، مدفوعاً بتحسن قطاعات الزراعة والنفط والغاز وإمدادات الطاقة. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة في ضرورة تأهيل الشبكات المتهالكة وضمان إغلاق مالي للمشاريع الاستثمارية.

المؤشرات الكلية مقابل الواقع المعيشي

رغم تسجيل الموازنة العامة فائضاً محدوداً في عام 2025، وتوقعات بزيادة الإيرادات في 2026، لا يزال هناك تباين حاد بين الأرقام الكلية وواقع المواطنين. فبينما تباطأ التضخم، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو 90% من الأسر لا تزال تعاني لتأمين احتياجاتها الأساسية، حيث تتجاوز تكلفة المعيشة الحد الأدنى للأجور بثلاثة أضعاف.

وزير
صندوق النقد الدولي أعرب عن تقديره للمباحثات مع وزير المالية السوري محمد يسر برنية

عقدة المصارف وفجوة الإعمار

يظل القطاع المصرفي العقدة الأكثر حساسية، حيث يصفه صندوق النقد الدولي بأنه شديد الاختلال وغير قادر على أداء دوره في تمويل الاقتصاد. كما تقف تكلفة إعادة الإعمار، المقدّرة بنحو 216 مليار دولار، كأكبر اختبار أمام الدولة، مما يجعل جذب الاستثمار الخاص والتمويل الخارجي رهناً بوضوح القوانين وحماية الاستثمارات.


إن الطريق بين إزالة القيود السياسية وبناء اقتصاد مندمج لا يزال طويلاً؛ فالمعيار الحقيقي للنجاح لن يكون في الإعلانات السياسية، بل في قدرة القطاع المصرفي على العمل بكفاءة، وتوفير الطاقة المستقرة، وتحويل الأرقام التنموية إلى فرص عمل ملموسة للمواطنين.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص