تمتلك سوريا مقومات تاريخية وجغرافية تؤهلها لتكون وجهة سياحية بارزة، إلا أن تحويل هذه الإمكانات إلى رافعة للاقتصاد الوطني يواجه تحديات بنيوية تتجاوز مجرد الترويج للمواقع التاريخية والمنشآت الفندقية. يتطلب هذا المسار تأهيلاً شاملاً لقطاعات النقل، الطاقة، وخدمات الدفع، إلى جانب توفير بيئة استثمارية مستقرة.
مؤشرات التعافي بين الأرقام والواقع
تشير إحصاءات وزارة السياحة السورية إلى دخول نحو 878 ألف زائر خلال العام الجاري، بزيادة قدرها 80% عن العام السابق. ومع ذلك، يظل هذا الرقم بعيداً عن ذروة عام 2010 التي شهدت وصول 8.5 ملايين سائح، حين كانت السياحة تساهم بنحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويشير الخبراء إلى أن عودة الزوار مؤشر إيجابي، لكنها لا تعكس بالضرورة عودة الاقتصاد السياحي لمستوياته السابقة، إذ تفتقر البيانات الحالية إلى تفاصيل دقيقة حول حجم الإنفاق الفعلي، مدة الإقامة، ومعدلات الإشغال الفندقي الحقيقية.
طموحات القطاع وتحديات التنفيذ
أعلن مستشار وزارة السياحة لشؤون التطوير، ساطع ياسين، عن ارتفاع في الاستقدام السياحي بنسبة 111% خلال النصف الأول من 2026، مع الإشارة إلى مذكرات تفاهم وعقود استثمارية بقيمة 1.5 مليار دولار، واضعاً هدفاً طموحاً برفع مساهمة السياحة إلى 30% من الناتج المحلي بحلول 2030.
في المقابل، يرى اقتصاديون أن هذه العقود لا تعني بالضرورة مشاريع منفذة على أرض الواقع، مؤكدين أن قياس الأثر الاقتصادي يتطلب شفافية في البيانات الدورية، بعيداً عن الأرقام العامة.
السياحة كـ سلسلة قيمة متكاملة
يؤكد الخبير الاقتصادي زياد عربش أن القطاع السياحي لا يمكنه النهوض بمعزل عن الخدمات الأساسية. فالسياحة سلسلة قيمة مترابطة تشمل قطاعات النقل، الطاقة، الزراعة، والصناعات الغذائية. لذا، فإن تحسين البنية التحتية -كالمطارات، شبكات الكهرباء، وأنظمة الدفع الإلكتروني- يعد شرطاً جوهرياً لنجاح الاستثمار السياحي.
تحديات البيئة الاستثمارية والساحل
تظل كلفة التشغيل، الناجمة عن اضطراب الطاقة وضعف المنافسة في القطاع الفندقي، عائقاً أمام توسيع قاعدة المستفيدين. كما يبرز تحدي الاستثمار في المناطق الساحلية والتراثية، حيث يطالب السكان المحليون بضرورة ضمان مشاركتهم في العوائد، مع الحفاظ على الهوية العمرانية للمواقع الأثرية من الترميم العشوائي.
الخلاصة: ما بعد عدد الزوار
لا يمكن للسياحة أن تكون الحل السحري الوحيد لإنقاذ الاقتصاد السوري، لكنها تمثل قناة مهمة لجذب النقد الأجنبي. إن نجاح هذا القطاع لا يقاس بعدد الوافدين فحسب، بل بمدى قدرة المدن السورية على الاحتفاظ بعائدات السياحة، وتنمية المشروعات الصغيرة، وتوفير تجربة سياحية مستدامة وموثوقة.


