تجد الهند نفسها في موقف جيوسياسي معقد، حيث تحاول الموازنة بين الضغوط الأمريكية الرامية لعزل إيران اقتصادياً، وبين ضرورات أمنها الطاقي ومشاريعها الإستراتيجية. وتتبنى نيودلهي سياسة المقاومة المحسوبة، التي تجمع بين الامتثال التجاري للضغوط الأمريكية وتجنب المخاطر، وبين محاولات الحفاظ على استثمارات حيوية مثل ميناء تشابهار.
إجراءات أمنية في مضيق هرمز
في خطوة تعكس المأزق الهندي، قررت شركات طاقة ومصافٍ هندية تجنب التعامل مع 45 سفينة وضعتها إيران على قائمة سوداء. ويأتي هذا الإجراء كخطوة أمنية احترازية لتجنب احتجاز الناقلات أو مصادرة حمولاتها، وليس بالضرورة تنفيذاً للعقوبات الأمريكية. ومع ذلك، يضع هذا التحرك الشركات الهندية في دائرة الاستهداف الأمريكي، حيث حذر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في واشنطن من أن التعامل مع هيئة مضيق الخليج الفارسي قد يعرض البنوك والشركات لعقوبات تقيد صلتها بالنظام المالي العالمي.
عملية المنبوذ الاقتصادي وتأثيرها على نيودلهي
وسعت وزارة الخزانة الأمريكية في أغسطس الماضي نطاق عقوباتها لتشمل قطاعات الشحن والطيران والذهب والتكنولوجيا. ولم يعد التهديد مجرد تحذير نظري، فقد طالت العقوبات شركات هندية ومواطنين هنوداً بتهمة الارتباط بتجارة النفط والبتروكيماويات الإيرانية، مما دفع نيودلهي لتشديد إجراءات الامتثال.
تفاوت المصالح: لماذا يغلب الامتثال؟
تُعد الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول للهند، حيث بلغت قيمة الصادرات الهندية إليها أكثر من 92 مليار دولار في عام 2025، بينما تضاءلت التجارة مع إيران بنسبة تتجاوز 90% منذ عام 2018. هذا التفاوت في حجم المصالح يجعل الهند تميل نحو تجنب الصدام المباشر مع واشنطن، خاصة فيما يتعلق بقطاع الطاقة، حيث تعتمد نيودلهي على استيراد نحو 88.6% من احتياجاتها النفطية.
استراتيجية التنويع والبدائل
تتجه الهند لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، حيث تسعى لزيادة وارداتها عبر مسارات بديلة، معتمدة على موردين من روسيا، وفنزويلا، والبرازيل، وأفريقيا. ورغم أن هذا التنويع يحمي الإمدادات من الانقطاع، إلا أنه يرفع فاتورة الاستيراد ويزيد من كلف الشحن والتأمين.
التداعيات الاقتصادية
يؤدي أي اضطراب في أسواق الطاقة أو سلاسل التوريد إلى ضغوط تضخمية على الاقتصاد الهندي. وتشير تقديرات خبراء البنوك إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط قد يقتطع ما يصل إلى 0.25 نقطة مئوية من نمو الاقتصاد الهندي. وفيما يخص السلع الإنسانية كالأرز والشاي، يواجه المصدرون الهنود تحديات كبيرة تتعلق بتأخر المدفوعات وارتفاع كلف الخدمات اللوجستية، مما يجعل السياسة الهندية تجاه إيران محكومة بضرورة البقاء تحت مظلة القانون الدولي لتجنب انهيار القطاعات الحيوية.


