في مشهد يعكس تحولات مناخية متسارعة، اندفعت كتلة هائلة من الجليد والصخور من أعالي جبال الهيمالايا في التبت نحو الوديان، لتطلق فيضاناً مدمراً اجتاح المناطق الحدودية بين نيبال والصين. الكارثة التي خلفت حتى الآن 538 قتيلاً، لا تُعد مجرد حادثة عابرة، بل ناقوس خطر جديد بشأن هشاشة البيئة الجبلية أمام الاحترار العالمي.
كيف ولد الفيضان؟
تشير التحليلات الأولية وصور الأقمار الصناعية إلى انهيار جزء ضخم من جرف شمال جبل لانغتانغ ليرونغ، مما أدى إلى انفصال كتلة جليدية بعرض 600 متر سقطت لمسافة 1.2 كيلومتر. هذه الطاقة الحركية الهائلة أدت إلى إذابة الجليد وتكوين مزيج كثيف من المياه والرواسب والحطام الذي اندفع ليغلق قاع الوادي، محولاً انهياراً صخرياً إلى فيضان مدمر.
جبال تتغير: سلسلة من الأخطار المتتابعة
يوضح الخبراء أن الجبال لا تعود لحالتها الطبيعية بعد هذه الأحداث؛ فتراجع الأنهار الجليدية يكشف عن رواسب غير مستقرة، مما يمهد الطريق لسلسلة من الأخطار المتتابعة. إن ارتفاع حرارة المنطقة بمعدلات تفوق المتوسط العالمي يضعف التربة الصقيعية، ويجعل المنحدرات أكثر عرضة للانهيار.
ويشير تقرير للبنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي إلى أن تغير المناخ أحدث تغييراً جذرياً في بيئة المنطقة، حيث أدى ذوبان الجليد إلى زيادة وتيرة الهطول الشديد وتغيير أنماط تصريف الأنهار، وهو ما يجعل خرائط المخاطر التقليدية أقل قدرة على التنبؤ بما قد يحدث مستقبلاً.
هل يمكن الاستعداد للقادم؟
تواجه السلطات معضلة حقيقية؛ فبينما يمكن لأنظمة الإنذار المبكر -المشابهة لتلك المستخدمة في موجات تسونامي- أن تنقذ أرواحاً، إلا أن طبيعة الانهيارات الجليدية غير المنتظمة تجعل من الصعب تحديد الأنهار الجليدية الأكثر خطورة مسبقاً. وتتفاقم هذه الأخطار مع التوسع في بناء السدود الكهرومائية وأعمال التطوير البشرية في المنطقة.
ويرى المختصون أن الحل يتطلب تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ووضع الاستعداد للكوارث كأولوية وطنية، مع التأكيد على أن الحد من الانبعاثات والتحول عن الوقود الأحفوري يظل الركيزة الأساسية لحماية المجتمعات الأكثر عرضة للخطر من غضب الجبال المستقبلي.


