بين المطر والموت: كيف أعاد إيبولا صياغة اقتصاد الجنائز في الكونغو؟

بين المطر والموت: كيف أعاد إيبولا صياغة اقتصاد ا

في مدينة بونيا شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تحولت ورش النجارة من مراكز لإنتاج الأثاث إلى شريان رئيسي يغذي اقتصاد الموت المتنامي. فمع تفشي فيروس إيبولا الذي يضرب المنطقة، لم يعد النجارون ينتظرون الزبائن، بل باتوا يعملون تحت ضغط متواصل لتلبية طلب متزايد على التوابيت بوتيرة غير مسبوقة.

ويشير النجار دجو ليمايو، الذي قفزت مبيعاته من 15 تابوتاً شهرياً إلى نحو 80 تابوتاً، إلى أن حجم العمل يعكس حجم المأساة الصحية التي تعيشها المدينة. وتنتشر اليوم أكثر من 12 ورشة نجارة على جانبي شوارع بونيا، حيث أصبحت صناعة التوابيت هي النشاط الأكثر رواجاً في ظل ارتفاع أعداد الوفيات.

تفشٍّ قياسي وتحديات لوجستية

يواجه النظام الصحي في الكونغو تفشياً للفيروس يُعد الأسرع نمواً في تاريخ البلاد، حيث سجلت السلطات أكثر من 6000 إصابة وما يقرب من 3000 وفاة. هذا الواقع فرض تحديات لوجستية على صغار الحرفيين؛ حيث يتطلب العمل شراء الأخشاب من الأسواق البعيدة ونقلها إلى الورش التي تفتقر إلى معايير السلامة، لا سيما مع المخاطر الكهربائية التي تفرضها الأمطار الموسمية في الورش المفتوحة.

تتم عمليات البيع بشكل سريع ومؤلم؛ إذ تصل الأسر على دراجات نارية لاختيار التوابيت على عجل، وغالباً ما يتم تثبيت التابوت بحبال مطاطية على ظهر الدراجة ونقله وسط الشوارع، في مشهد أصبح جزءاً يومياً من حياة المدينة التي تحاول المضي قدماً رغم الوباء.

A
عامل صحي يعقّم تابوت رجل تُوفي جراء إيبولا خلال مراسم دفنه في بونيا شرقي الكونغو (أسوشيتد برس)

الدفن كخط دفاع أول

لا تتوقف أهمية التوابيت عند الجانب الاقتصادي، بل تعد جزءاً حيوياً من المعركة ضد الفيروس. ويؤكد الخبراء الطبيون أن الدفن الآمن يمثل ركيزة أساسية للحد من العدوى، نظراً لأن جثمان المتوفى يظل ناقلاً للفيروس، وهو ما يتعارض مع بعض التقاليد المحلية التي تتضمن لمس الموتى.

وتعمل منظمات دولية، مثل الصليب الأحمر، على توفير أكياس خاصة للجثامين وتوعية الأسر بضرورة إغلاقها فوراً، في محاولة للسيطرة على بؤر الانتشار.

الرحلة الأخيرة

رغم الأعباء المالية الباهظة التي يفرضها شراء التوابيت على الأسر الفقيرة، يظل التابوت مطلباً ملحاً. ويقول فيليكس موزينغا، صاحب ورشة نجارة، إن المبيعات ارتفعت بنسبة 50%، مشيراً إلى أن الدافع وراء الشراء يتجاوز الحاجة العملية ليصل إلى البعد العاطفي والاجتماعي، حيث تسعى العائلات لتكريم موتاها في الرحلة الأخيرة، حتى لو كان ذلك على حساب وضعهم المادي.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص