لم تعد أزمة الطاقة في أوروبا مجرد تداعيات لتراجع الإمدادات الروسية، بل تحولت إلى معضلة هيكلية جديدة. فالقارة التي استبدلت خطوط الأنابيب البرية بناقلات الغاز المسال عبر البحار، وجدت نفسها أمام واقع جيوسياسي هش، حيث باتت الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، هي الشريان الذي يحدد استقرار أسواق الطاقة الأوروبية.
مع اقتراب فصل الشتاء، سجلت العقود الآجلة للغاز في أوروبا ارتفاعات ملحوظة، متجاوزة 75 يورو لكل ميغاوات/ساعة. هذا الصعود يعكس قلق الأسواق من أن تنويع الموردين لم يمنح القارة حصانة كاملة؛ فالغاز المسال يخضع لمنطق العرض والطلب العالمي، وأي اضطراب في ممرات الشحن يؤدي فوراً إلى سباق محموم على الشحنات، مما يرفع الأسعار قبل حدوث أي نقص فعلي.
سباق الخزانات قبل البرد
تضع معدلات امتلاء خزانات الغاز في أوروبا القارة أمام اختبار صعب؛ إذ يبلغ متوسط الامتلاء نحو 65%، مع تفاوت بين الدول، حيث تتدنى النسبة في ألمانيا وهولندا. هذه الهوامش الضيقة تعني أن أي تأخير في الشحنات أو ارتفاع في تكاليف التأمين والملاحة سيفاقم من فاتورة الطاقة، وهو ما يجعل أوروبا رهينة لتقلبات الأسواق الفورية والمنافسة الآسيوية على الغاز المسال.
إيران تحت ضغط الدولار
على الضفة الأخرى من مضيق هرمز، تعيش إيران أزمة اقتصادية خانقة تتمثل في تراجع حاد لقيمة الريال مقابل الدولار، وتضخم سنوي تجاوز 66%. ورغم محاولات البنك المركزي الإيراني لضخ النقد الأجنبي في السوق، يرى خبراء اقتصاد أن هذه الإجراءات لا تعالج جذور الأزمة الناتجة عن العقوبات الدولية التي تستهدف قطاعات النفط، البنوك، والشحن.
ويشير الخبير الاقتصادي كليزمان موراتي إلى أن استراتيجية الصمود الإيرانية عبر تصدير النفط إلى الصين تواجه سقفاً محدوداً؛ حيث تضطر طهران لتقديم خصومات كبيرة لتجنب التعامل بالدولار، مما يقلص العوائد الفعلية ويجعل من متنفس الصين حلاً مؤقتاً لا يكسر حلقة القيود الاقتصادية.
أين تلتقي الأزمتان؟
تلتقي الأزمتان عند نقطة الارتكاز الجيوسياسي: مضيق هرمز. فالممر الذي يعد شرياناً عالمياً للطاقة يربط بين حاجة أوروبا لتأمين شحنات الغاز قبل الشتاء، وبين حاجة إيران لتجاوز عقبات تصدير النفط وتوفير العملة الصعبة.
- أوروبا: تواجه ضغطاً على المخزونات وسباقاً محموماً على الشحنات لضمان التدفئة.
- إيران: تواجه ضغطاً على الريال وعائدات النفط في ظل لعبة طويلة الأمد مع العقوبات.
- النتيجة: أي توتر في هرمز لا يعد شأناً إقليمياً، بل هو عامل مباشر يرفع كلفة أمن الطاقة الأوروبي، ويؤثر على تكاليف الصناعة والكهرباء في القارة العجوز.
في المحصلة، لا يمنح الموقع الجغرافي لإيران مخرجاً سهلاً من أزماتها المالية، كما أن بدائل أوروبا الطاقوية ليست بلا ثمن؛ فالعالم اليوم يعيش مرحلة انتقالية أعادت رسم خرائط الهشاشة من أنابيب البر إلى ناقلات البحر.


