في حادثة مأساوية كشفت عن الوجه المظلم لثروات جنوب أفريقيا المعدنية، لقي 14 عاملاً حتفهم في 13 أغسطس الماضي بعد انهيار جدار ترابي في موقع تعدين مهجور بالقرب من نكانينغ، وهي مستوطنة عشوائية تقع في ضواحي مدينة روستنبرغ الغنية بالمعادن.
يروي ليروثودي نالي، أحد العمال المهاجرين من ليسوتو، تفاصيل اللحظات المرعبة قائلاً: حدث الأمر في لمح البصر، وابتلعت الأرض العشرات. نالي، الذي تمكن من النجاة، اضطر للفرار من موقع الحادث خوفاً من الاعتقال لعدم امتلاكه وثائق رسمية، تاركاً وراءه زملاء قد يكونون لا يزالون عالقين تحت الأنقاض.
ثروة مميتة في أحشاء الأرض
تتربع روستنبرغ فوق مجمع بوشفيلد الناري، أحد أغنى التكوينات الجيولوجية في العالم، والذي يزخر برواسب البلاتين والكروم. وتعد جنوب أفريقيا أكبر منتج ومصدر للكروم في العالم، حيث تغذي هذه المعادن سلاسل التوريد العالمية، لا سيما صناعة الفولاذ المقاوم للصدأ في الصين.
لكن هذا الثراء يخفي خلفه اقتصاداً غير رسمي متنامياً، حيث تسيطر جماعات إجرامية على مناجم مهجورة، مستغلةً العمال المهاجرين الباحثين عن لقمة العيش والذين يفتقرون إلى بدائل وظيفية. ويشير خبراء إلى أن الكروم تحديداً يجذب المشغلين غير القانونيين لكون رواسبه قريبة من السطح، مما يقلل تكاليف الاستخراج مقارنة بالمناجم العميقة.
خطوط الإمداد المظلمة
يصف العمال نظاماً معقداً يبدأ من خارج الحدود، حيث يتم استقطاب المهاجرين من ليسوتو وزيمبابوي وموزمبيق من قبل وسطاء. وبمجرد وصولهم، يتم توزيعهم على مجموعات تديرها عصابات توفر لهم أدوات التعدين والمتفجرات، مقابل الاستحواذ على 70% من أرباحهم وفرض ديون عليهم تضطرهم للعمل في ظروف بالغة الخطورة.
يقول لورين لاندو، خبير الهجرة في جامعة ويتواترسراند: هذا المسار الذي يرسل أعداداً من الشباب المهاجرين إلى الموت تحت الأرض لا يتوقف، لأن الخيارات الوظيفية المتاحة نادرة. وبمجرد أن يموت عامل أو يصاب، يتم استبداله بآخر في حافلة جديدة.
مأساة إنسانية وبيئية
خلف بوابات مركز شرطة ماريكانا، تنتظر العائلات المكلومة أي أخبار عن ذويهم المفقودين. بالنسبة للعديد منهم، كان العمل في مناجم الكروم الملاذ الأخير بعد أن دمر الجفاف سبل العيش في أوطانهم.
ولا تقتصر الأضرار على الأرواح البشرية، إذ يؤكد قادة محليون أن التعدين غير القانوني حول مناطقهم إلى منطقة حرب بيئية، حيث دُمرت الأراضي الزراعية وتلوثت مصادر المياه نتيجة النفايات الناتجة عن عمليات الغسيل العشوائية.
محاولات المواجهة
على الرغم من إطلاق الحكومة لعملية فالا أومغودي في عام 2023 لمكافحة التعدين غير القانوني وإغلاق المناجم المهجورة، إلا أن النقاد يرون أن حجم الاستجابة لا يزال دون المستوى المطلوب. ورغم إعلان السلطات عن اعتقال العشرات ومصادرة معدات ثقيلة، يظل الفقر هو المحرك الأساسي لهذه الدورة القاتلة، حيث يرى الخبراء أن لا شيء يخيف الجائع، مما يجعل من الصعب إنهاء هذه الممارسات طالما بقيت الأسباب الجذرية قائمة.


