لم يعد الريال الإيراني مجرد عملة تخضع لتقلبات التضخم وأسعار الفائدة، بل تحول إلى أحد أبرز ميادين حرب البقاء التي تخوضها طهران. فمع كل تصعيد عسكري أو حزمة عقوبات جديدة، تهتز سوق الصرف، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زال ممكناً الحديث عن سياسة نقدية تقليدية في بلد باتت فيه الحسابات الأمنية تتقدم على الحسابات الاقتصادية؟
تستعرض دراسة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات بعنوان اقتصاد الحرب في إيران: السياسة النقدية والمالية في مواجهة العقوبات والإنزال الاقتصادي، كيف وضعت العملة الإيرانية في قلب مواجهة اقتصادية محتدمة، لا سيما منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط 2026. وقد وصف الرئيس دونالد ترمب هذه الحملة بـ يوم الإنزال الاقتصادي، في إشارة إلى حجم الضغوط المالية الرامية لعزل إيران عن النظام المالي الدولي.
الحرب تدخل سوق الصرف
ارتبط تدهور الريال بشكل مباشر بإيقاع التصعيد العسكري. وتظهر الأرقام حجم التحول؛ ففي أغسطس/آب 2026، كسر الدولار حاجز المليوني ريال، متأثراً بعوامل نفسية وبنيوية، حيث أقر محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، بدور الأجواء السائدة في تراجع العملة. وفي الوقت الذي حاول فيه البنك المركزي ضخ مليارات الدولارات في السوق، انتقلت عدوى الانهيار من سعر الصرف إلى أسعار السلع، مع وصول التضخم إلى مستويات قياسية تجاوزت 84%، وارتفاع تضخم الغذاء إلى أكثر من 120%.
طهران تبحث عن الدولار خارج القنوات التقليدية
في محاولة للالتفاف على العقوبات، عززت إيران اعتمادها على الصين كمشترٍ رئيسي للنفط عبر المقايضة، إلا أن هذا المسار أثبت هشاشته أمام الضغوط الأمريكية على المصافي الصينية. وتشير التقديرات إلى أن المقايضة مثلت نسبة كبيرة من صادرات النفط، وهي استراتيجية تسمح بتجاوز العزلة المالية لكنها لا توفر السيولة النقدية اللازمة للدفاع عن الريال.
كما تكشف البيانات عن شبكات مصرفية موازية حاولت طهران من خلالها تمرير مليارات الدولارات عبر شركات واجهة، مما دفع واشنطن إلى توسيع نطاق ملاحقتها لتشمل الوسطاء والبنوك الإقليمية التي تتعامل مع شبكات الظل الإيرانية.
الذهب والعملات المشفرة: الملاذ الأخير
تحول الذهب إلى ملاذ أساسي لحفظ القيمة، حيث استوردت إيران كميات ضخمة من السبائك في محاولة للتحوط. وبالتوازي، دخلت العملات المشفرة المشهد كوسيلة لنقل الأموال وتجنب النظام المصرفي التقليدي، إلا أن واشنطن سارعت إلى إدراج منصات التداول المشفرة ضمن قائمة عقوباتها، لتصبح الأداة التي صُممت للهروب من العقوبات هدفاً لها.
مستقبل الريال في ظل الحرب الممتدة
تخلص الدراسة إلى أن إيران لا تدير حالياً استقراراً نقدياً، بل تدير أزمة ممتدة. وتحدد ثلاثة مسارات محتملة للعملة الإيرانية:
- استمرار الوضع الراهن: تآكل تدريجي للريال مع موجات هبوط حادة مرتبطة بالتصعيد العسكري.
- الانفراج السياسي: تخفيف تدريجي للعقوبات يسمح باستعادة جزء من الثقة، بشرط وجود ضمانات سياسية.
- الحرب الشاملة: السيناريو الأسوأ الذي قد يؤدي إلى اتساع نطاق الدولرة غير الرسمية في المعاملات اليومية.
في نهاية المطاف، أصبح مصير الريال الإيراني مرتبطاً بمسار الحرب نفسها، حيث تعمل كافة أدوات المناورة الاقتصادية داخل مساحة ضيقة تفرضها معادلات القوة والعقوبات الدولية.


