ثورة في علم الخرائط
في خطوة تعكس رغبة المجتمع الدولي في تجاوز إرث قرون من الانحياز الجغرافي، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة خريطة الإسقاط الجغرافي الجديدة المعروفة باسم الأرض المتساوية (Equal Earth). تأتي هذه الخطوة لتطرح بديلاً أكثر دقة لخريطة مركاتور التقليدية التي هيمنت على التصورات العالمية منذ القرن السادس عشر.
جاء اعتماد الخريطة الجديدة بدعم واسع، حيث حظي القرار بتأييد 164 دولة، في حين سجلت الولايات المتحدة اعتراضها الوحيد، وامتنعت 6 دول عن التصويت.
تحدي مركاتور وتصحيح الأحجام
صُممت خريطة الأرض المتساوية عام 2018 على يد ثلاثة متخصصين: خبير الخرائط الأمريكي توم باترسون، ومهندس البرمجيات بويان شافريتش، وأستاذ الجغرافيا بيرنهارد جيني. وتهدف الخريطة إلى تمثيل المساحات النسبية للقارات بشكل عادل، خاصة قارات أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
تنتقد الخريطة الجديدة خريطة مركاتور التي، رغم أهميتها للملاحة البحرية بفضل ثبات خطوط الاتجاه، إلا أنها تضخم أحجام الدول في النصف الشمالي من الكرة الأرضية على حساب المناطق القريبة من خط الاستواء. ويوضح الخبراء أن الأرض المتساوية تحافظ على العلاقات الحقيقية بين مساحات اليابسة، رغم أنها تضطر لإجراء تعديلات هندسية عند أطراف الخريطة.
العلم في مواجهة الهندسة
يؤكد بيرنهارد جيني، أستاذ الجغرافيا بجامعة موناش، أن التحدي الجوهري يكمن في استحالة تحويل سطح الأرض الكروي إلى مستطيل مسطح دون التضحية ببعض الخصائص.
الجغرافي بيرنهارد جيني: الناس يعتقدون عموما أن الخرائط تمثّل الأرض تمثيلا دقيقا، لكن هذا المنطق ينهار لأننا نعيش على سطح منحنٍ، وهو ما يثير إشكالية
ويضيف جيني أن رسم الخرائط هو مزيج بين الفن والعلم، حيث تتطلب عملية تسطيح الأرض تنازلات دائمة في الشكل، أو المساحة، أو المسافة، أو الاتجاه، مشبهاً هذه العملية المعقدة بمحاولة فرد قشرة البرتقال.
أبعاد سياسية ودبلوماسية
لم يخلُ اعتماد الخريطة من تحديات دبلوماسية؛ حيث أثارت النسخ الملونة التي تتضمن حدوداً سياسية اعتراضات من بعض الدول، مثل اليابان وأوكرانيا، بسبب خلافات حول السيادة على بعض الأقاليم. وقد أوضح باترسون أن هذه التفاصيل السياسية هي إضافات خارجية وليست جزءاً من الإسقاط الرياضي الجوهري الذي أقرته الأمم المتحدة.
وفي ختام النقاش حول هذه التقنية، يرى شافريتش أن القيمة الحقيقية لهذه الخريطة تكمن في تعزيز الوعي النقدي لدى الشعوب، مؤكداً أنه لا يوجد إسقاط خرائطي واحد قادر على تقديم تمثيل صحيح تماماً للعالم، وأن كل خريطة هي في جوهرها انعكاس لمفاضلات علمية وجمالية.


