في خطوة تعيد تشكيل قواعد التنافس الدولي في الفضاء، بدأت القوى العظمى -الولايات المتحدة، روسيا، والصين- سباقاً محموماً لتطوير مفاعلات نووية مصغرة قادرة على العمل على سطح القمر. ولا يقتصر هذا التوجه على توليد الكهرباء فحسب، بل يمثل حجر الزاوية لإقامة قواعد دائمة واستكشاف الموارد الحيوية، مثل المياه المتجمدة، ودعم مهام استكشافية أعمق في النظام الشمسي.
الكهرباء.. بوابة البقاء في بيئة قاسية
تسعى وكالة الفضاء الأميركية ناسا من خلال مشروعها المفاعل القمري 1 إلى إنتاج نحو 20 كيلووات من الطاقة الكهربائية، مع ضمان استمرارية التشغيل لمدة 5 سنوات دون تدخل بشري. وفي الجانب المقابل، تعمل موسكو بالتنسيق مع بكين على تطوير مفاعل سيلينا، الذي يستهدف توفير 10 كيلووات من الطاقة مع عمر تشغيلي يمتد لعشر سنوات.
تعد الطاقة النووية الخيار الأمثل لتشغيل المنشآت القمرية خلال فترات الظلام الطويلة، وفي المناطق التي تعجز فيها الطاقة الشمسية عن تلبية الاحتياجات التشغيلية. ومع ذلك، يواجه المهندسون تحديات تقنية جسيمة تتعلق بعمليات النقل، الهبوط، التبريد، والتشغيل في بيئة ذات جاذبية منخفضة.
مخاطر تتجاوز حدود الأرض
يحذر خبراء السلامة النووية من أن إدخال التكنولوجيا الذرية إلى السباق الفضائي قد يضاعف من مخاطر الحوادث الكارثية. ويستحضر المراقبون حادثة سقوط القمر الصناعي السوفيتي كوزموس 954 عام 1978، الذي أدى إلى تلوث إشعاعي في كندا، مما يثير تساؤلات جدية حول احتمالات تعطل المفاعلات على سطح القمر أو تضررها أثناء عمليات الإطلاق والهبوط.
تحديات الوقود والسياسة
تفرض الجغرافيا السياسية واقعاً معقداً على هذه المشاريع؛ إذ تعتمد ناسا على اليورانيوم منخفض التخصيب عالي التركيز، وهو مورد تفرض واشنطن قيوداً على استيراده من روسيا منذ عام 2024. وفي الوقت نفسه، يثير التوجه نحو استخدام اليورانيوم عالي التخصيب مخاوف من إمكانية تحويل هذه التقنيات لأغراض تسليحية.
آفاق مستقبلية مشروطة
بينما تستهدف ناسا إطلاق مركبة تعمل بالدفع الكهربائي النووي نحو المريخ بحلول عام 2028، يؤكد الخبراء أن هذه المواعيد تظل أهدافاً تطويرية وليست ضمانات تقنية. وتشدد المتخصصة في الهندسة النووية، كاتي هاف، على أن نجاح هذه المهمات يتطلب تعاوناً دولياً عابراً للمنافسة، لضمان معايير سلامة دقيقة تحمي البيئة الفضائية من أي تداعيات كارثية محتملة.


