في إنجاز علمي غير مسبوق، نجح فريق بحثي دولي في تطوير أول ساعة نووية بصرية في العالم، قادرة على ضبط تردداتها ذاتياً باستخدام قلب ذرة الثوريوم-229. هذا الابتكار لا يمثل مجرد أداة لقياس الزمن فحسب، بل يفتح آفاقاً جديدة لفهم القوانين الأساسية للكون والبحث عن المادة المظلمة بدقة لم تكن ممكنة من قبل.
تعتمد الساعات الذرية التقليدية، وهي الأكثر دقة حالياً، على انتقال الإلكترونات بين مستويات طاقة محددة. أما الساعة الجديدة، التي نُشرت تفاصيلها في دورية نيتشر (Nature)، فتعتمد على الانتقال النووي داخل ذرة الثوريوم-229، مما يجعل النواة نفسها مرجعاً فائق الاستقرار لضبط الوقت وتصحيحه تلقائياً عند رصد أي انحراف في تردد الليزر.
نواة الذرة: المرجع الجديد للزمن
يوضح لوكا توسكاني دي كول، الباحث بجامعة فيينا التقنية والمشارك في الدراسة، أن اختيار نظير الثوريوم-229 جاء لكونه يتمتع بانتقال طاقي منخفض يمكن الوصول إليه عبر الليزر، بالإضافة إلى كونه أقل عرضة للاضطرابات الخارجية مقارنة بالإلكترونات.
آلية العمل تعتمد على وضع نوى الثوريوم داخل بلورة صغيرة من فلوريد الكالسيوم في درجة حرارة الغرفة، ثم تمرير ليزر من الأشعة فوق البنفسجية العميقة. إذا انحرف تردد الليزر عن تردد الانتقال النووي، تستجيب النوى فوراً، مما يسمح للساعة بتعديل المسار تلقائياً لضمان دقة متناهية.
البحث عن المادة المظلمة
تمثل هذه الساعة أداة قوية في صيد المادة المظلمة. فوفقاً لنظريات فيزيائية، قد تسبب جسيمات أو حقول فائقة الخفة تغيرات طفيفة في الثوابت الأساسية للطبيعة، وهو ما يمكن رصده كاهتزازات دقيقة في تردد الساعة النووية.
خلال تجربة استمرت 23 ساعة، قارن الباحثون ساعة الثوريوم بساعة الإيتربيوم البصرية. ورغم عدم العثور على إشارة قاطعة للمادة المظلمة، إلا أن النتائج مكنت العلماء من وضع حدود جديدة وأكثر صرامة على قوة تفاعل المادة المظلمة مع المادة العادية، محسنين القياسات السابقة بنحو 100 إلى 1000 مرة في بعض السيناريوهات.
يؤكد الفريق أن التقنية لا تزال في مراحلها الأولى، حيث يسعون حالياً لتحسين جودة البلورات وتقنيات الليزر لتجاوز التحديات المتعلقة بالدقة المتكررة، مما يعد بمستقبل تبدأ فيه الساعات النووية في إعادة تعريف مفاهيمنا عن الزمن والكون.


