
بعد مرور تسعين عاماً على رحيل الأديب الروسي مكسيم غوركي، لا تزال سيرته تثير تساؤلات عميقة تتجاوز مكانته الأدبية لتصل إلى تعقيدات علاقته بالسلطة السوفيتية، وتحديداً بالزعيم جوزيف ستالين، في حقبة كانت فيها الثقافة أداةً محورية لبناء الدولة.
لم يكن غوركي مجرد كاتب بروليتاري كما روجت له الدعاية السوفيتية؛ فقد تجاوزت أعماله حدود الأدب الاجتماعي لتغوص في أعماق النفس البشرية. ورغم نشأته القاسية كطفل بلا مأوى، ارتقى ليصبح وجهاً عالمياً للثقافة الروسية، حظي باحترام لينين، ودخل في صراع خفي مع ستالين الذي أدرك مبكراً أن سلطة غوركي الأدبية لا يمكن قمعها، بل يجب استغلالها.
سعى ستالين، القارئ النهم الذي كان يولي الأدب أهمية قصوى، إلى استقطاب غوركي من إيطاليا. لم يكن الهدف مجرد عودته للوطن، بل إضفاء شرعية ثقافية على النظام الجديد، وتوظيف مكانته الأخلاقية لتوجيه اتحاد الكتّاب، وهو ما نجح فيه جزئياً، رغم احتفاظ غوركي بمسافة نقدية ومقاومته لمحاولات تحويله إلى بوق يمجد الزعيم.
في حياة غوركي الخاصة، برزت شخصية البارونة ماريا بودبيرغ، المعروفة بـ مورا، التي شكلت محط جدل تاريخي. لم تكن مجرد رفيقة حياة، بل كانت عميل نفوذ بامتياز، حيث استغل ستالين قربها من غوركي لتوجيه مواقفه وإدارة شؤونه.
تفنيداً للمزاعم التي ربطت بين مورا وتصفية غوركي، تؤكد الحقائق التاريخية والطبية أن تدهور صحة الكاتب كان نتيجة طبيعية لنمط حياته القاسي وإصابته بالتهاب رئوي حاد. ومع ذلك، لعبت مورا دوراً أخطر في السيطرة على أرشيف غوركي السري، الذي كان يضم مراسلات مع معارضي ستالين، مما جعل هذا الأرشيف ورقة ضغط سياسية كبرى.
بعد تسعين عاماً، يظل السؤال قائماً: هل كان غوركي حليفاً طوعياً للسلطة أم أسيراً لها؟ الأرجح أنه كان أديباً حاول التمسك باستقلاله في مناخ سياسي خانق، حيث كانت العودة إلى الوطن عام 1928 بداية الفصل الأخير من حياته، حيث وجد نفسه محاطاً بأضواء الشهرة من جهة، وأسئلة التاريخ الغامضة من جهة أخرى.