
لم يعد داء السكري مجرد مرض مزمن يتطلب تعايشاً يومياً، بل تحول إلى واحد من أكبر التحديات الصحية العالمية. فبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، قفز عدد المصابين من 200 مليون في عام 1990 إلى 830 مليوناً عام 2022، مما يفرض ضغوطاً اقتصادية وصحية هائلة، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
أمام هذه الأرقام المفزعة، التي تشير إلى إصابة شخص واحد من كل 9 بالغين، لم تعد الأبحاث العلمية تكتفي بخفض مستويات السكر، بل تتجه نحو أسئلة جوهرية: كيف نحمي خلايا البنكرياس من التلف؟ وهل يمكن استبدالها أو إعادة تشغيلها بأمان؟
في خطوة لافتة ضمن المشروع الأوروبي (VANGUARD)، طور باحثون من جامعة جنيف هيدروجيل مبتكراً يسمى أمنيوجيل (Amniogel)، مستخلصاً من الغشاء الأمنيوسي البشري. يعمل هذا الجل كبيئة حاضنة للخلايا المنتجة للإنسولين، حيث يوفر لها الحماية اللازمة ويدعم تكوين شبكة أوعية دموية تغذيها، مما يحل معضلة ضعف بقاء الخلايا المزروعة.
يركز مسار بحثي آخر على الخلل الداخلي لخلايا بيتا، حيث كشفت دراسات حديثة من معهد سانفورد بورنهام بريبيس وجامعة ميشيغان عن دور بروتين بي آي بي (BiP) في إدارة عملية طي البروإنسولين. إن فهم كيفية ضبط هذا البروتين قد يمهد لعلاجات تحمي مصنع الإنسولين داخل الجسم من التلف قبل تفاقم المرض.
بعيداً عن المختبرات، أظهرت دراسة فنلندية واسعة شملت أكثر من 7000 مريض، أن السيماغلوتيد الفموي يحقق نتائج ملموسة في الممارسة الطبية اليومية، حيث ساهم في تحسين التحكم بسكر الدم، وخفض الوزن، وتحسين مؤشرات وظائف الكبد، مما يعزز من كفاءة الخيارات العلاجية المتاحة حالياً.
كشفت دراسة حديثة من مختبر جاكسون (JAX) عن 58 جيناً مرشحاً قد تلعب دوراً سببياً في خلل خلايا بيتا، ومن بينها الجينان GRAMD2B وPDZK1. هذا الاكتشاف ينقل فهمنا للسكري من النوع الثاني من كونه مجرد مقاومة إنسولين إلى فهم أعمق للمسارات الجينية التي تحدد بقاء خلايا البنكرياس.
تعد تقنيات الخلايا الجذعية، مثل علاج (VX-880)، قفزة نوعية أتاحت لمرضى السكري من النوع الأول الاستغناء عن الحقن الخارجية. ومع ذلك، تظل التحديات قائمة فيما يخص تجنب الأدوية المثبطة للمناعة وضمان أمان هذه الخلايا على المدى الطويل.
إن المعركة ضد السكري تتطور لتصبح أكثر دقة، حيث يجمع العلماء بين الهندسة الحيوية، وعلم الجينات، والطب التجديدي. وبينما لا تزال الكثير من هذه الابتكارات في مراحلها الانتقالية، إلا أنها ترسم طريقاً نحو مستقبل قد تتحرر فيه البشرية من عبء حقن الإنسولين اليومية.