
يُعد عبد القادر (قدور) بن غبريط (1868-1954) واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الجزائري والعربي الحديث؛ فهو الدبلوماسي الذي جمع بين كونه مهندساً للعلاقات الفرنسية-الإسلامية، ومؤسساً لمسجد باريس الكبير، وبين اتهامات بـالعمالة لخدمة الأجندة الاستعمارية.
ولد بن غبريط في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1868 في مدينة سيدي بلعباس، وينحدر من أصول تلمسانية. تلقى تعليماً مزدوجاً متميزاً، حيث درس في المدرسة الثعالبية بالجزائر، ثم انتقل إلى جامعة القرويين في فاس، مما منحه إتقاناً كبيراً للغتين العربية والفرنسية، وهو ما شكّل حجر الزاوية في مسيرته المهنية لاحقاً.
بدأ مسيرته كمترجم قضائي في الجزائر قبل أن ينتقل للعمل في الإدارة المغربية، حيث ساهم في تنفيذ إصلاحات إدارية لصالح الملك الحسن الأول. وفي عام 1904، أسس مدرسة فرنسية عربية في طنجة، ليعمل لاحقاً كحلقة وصل أساسية بين القصر المغربي والسلطات الفرنسية قبيل فرض الحماية.
تدرج في المناصب حتى عُيّن مديراً للبروتوكول الشريف ووزيراً مفوضاً. وقد نال ثقة السلطات الفرنسية، لا سيما المقيم العام هوبير ليوطي، الذي استعان به في بعثات سياسية هامة، من بينها مرافقة البعثة الفرنسية إلى الحجاز عام 1916.
يُعتبر بن غبريط الشخصية المحورية وراء تأسيس مسجد باريس الكبير. أسس جمعية الأوقاف والأماكن المقدسة للإسلام عام 1917، وحشد الدعم المالي والسياسي من البرلمان الفرنسي لبناء المسجد كرمز للصداقة بين فرنسا والعالم الإسلامي وتخليداً لتضحيات الجنود المسلمين في الحرب العالمية الأولى. افتتح المسجد عام 1926، وأداره بن غبريط حتى وفاته عام 1954.
ارتبط اسم بن غبريط بمواقف سياسية وُصفت بالانحياز التام لفرنسا، مما جلب عليه انتقادات لاذعة من رموز الحركة الوطنية والإصلاحية، وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس. من أبرز نقاط الانتقاد:
تتسم صورته التاريخية بالتعقيد؛ فبينما اتُهم بالتعاون مع الاستعمار، تشير روايات تاريخية إلى دور بطولي قام به عبر إدارة مسجد باريس خلال الاحتلال النازي (1940-1944). حيث ساهم في حماية يهود ملاحقين من خلال منحهم وثائق هوية تثبت انتماءهم للإسلام، وتوفير المأوى لهم داخل المسجد، واستغلال شبكة الأنفاق الباريسية لتهريبهم، وهو ما يضيف بعداً إنسانياً لافتاً في مسيرة رجلٍ اختلف الكثيرون حول تقييم إرثه.