
لم تعد موجات الحرارة مجرد ظاهرة مناخية موسمية، بل تحولت إلى حالة طوارئ صحية عالمية تهدد النسيج الاجتماعي والبنية التحتية، وهو ما أكدته منظمة الصحة العالمية في تقييمها الأخير للارتفاع الخطير وغير المسبوق في درجات الحرارة التي باتت تعصف بأوروبا.
تتصدر المنطقة الأوروبية قائمة المناطق الأسرع احتراراً في العالم، حيث تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى ارتفاع مفزع في الوفيات المرتبطة بالحرارة بنسبة 30% خلال العقدين الماضيين، مع تسجيل أكثر من 200 ألف حالة وفاة في السنوات الأربع الأخيرة وحدها.
يؤدي عجز الجسم عن تبريد نفسه إلى إجهاد حاد يضع عبئاً إضافياً على الأعضاء الحيوية كالقلب والكلى، مما يفاقم المخاطر على المصابين بأمراض مزمنة. وفي هذا السياق، يوضح لوري بارسونز، خبير الجغرافيا البشرية بجامعة رويال هولواي في لندن، أن الإجهاد الحراري يمثل حالياً أكبر خطر بيئي عالمي، مشدداً على أن الآثار الصحية تعتمد بشكل مباشر على توقيت الموجة، وقدرة البنية التحتية المحلية على التكيف.
يرجع خبراء الأرصاد الجوية موجات الحر المتطرفة إلى ظاهرة القبة الحرارية، وهي منطقة ضغط جوي مرتفع مستقرة فوق أوروبا، يدعمها نمط جوي يعرف بـحاجز أوميغا. هذا النمط يعطل حركة التيارات النفاثة، مما يؤدي إلى انحصار كتل هوائية حارة وراكدة فوق المنطقة لأسابيع، وهو ما أدى إلى تسجيل درجات حرارة قياسية تجاوزت 44 درجة مئوية في بعض المدن الأوروبية.
تواجه أوروبا تحدياً إضافياً يتمثل في أن معظم منشآتها، بما في ذلك المدارس والمستشفيات، لم تُصمم لمواجهة الحرارة الشديدة. ومع وجود نسبة تكييف لا تتجاوز 20% في المباني الأوروبية، تتسع الفجوة بين الفئات الاجتماعية؛ حيث تعاني الأسر ذات الدخل المنخفض من مخاطر مضاعفة بسبب ضعف عزل المساكن والاعتماد على وظائف تتطلب العمل الشاق في الهواء الطلق.
مع ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا بمعدل يناهز ضعف المتوسط العالمي، يحذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، من أن الوقت قد نفد للانتظار، مطالباً القادة بضرورة الاستثمار في نظم صحية قادرة على الصمود، وتبريد المدن، وضمان وصول السكان إلى الموارد الأساسية كالمياه والمناطق المظللة لحمايتهم من التداعيات المميتة للمناخ.