
يتبنى رواد التكنولوجيا اليوم رؤيةً طموحة لعالم يقضي فيه البشر وقتاً أقل بكثير في النظر إلى هواتفهم الذكية. فهل تمثل هذه الرؤية حلاً لمشكلة الإفراط في استخدام الشاشات، أم أنها مجرد شكل جديد من أشكال التغلغل التكنولوجي في تفاصيل حياتنا اليومية؟
تُشير التقارير إلى أن شركة آبل تستعد لطرح سماعات إيربودز مزودة بكاميرات في العام المقبل. هذه الكاميرات لن تكون مخصصة لالتقاط الصور، بل ستعمل على تزويد المساعد الافتراضي سيري بمعلومات دقيقة عن البيئة المحيطة، مما يفتح آفاقاً جديدة للتفاعل مع الأجهزة دون الحاجة للنظر إلى أي شاشة.
تأتي هذه الخطوة ضمن اتجاه أوسع في صناعة التكنولوجيا؛ فبعد نحو 60 عاماً من هيمنة الشاشات كوسيلة أساسية للتفاعل مع أجهزة الكمبيوتر، يبدو أننا نقترب من عصر تبدأ فيه الشاشات بالتراجع تدريجياً إلى الخلفية، لصالح أجهزة قابلة للارتداء مثل النظارات الذكية والقلادات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
في الأسبوع الماضي، كشفت شركة سناب عن نظارتها الذكية الجديدة سبيكس (Spectacles) المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ورغم الجدل حول تصميمها وحجمها، إلا أنها تمثل محاولة جادة لتقديم جهاز يعمل بشكل مستقل عن الهاتف الذكي.
توضح شركة سناب أن نظارتها لا تهدف للحلول محل مجال الرؤية الطبيعي، بل لعرض معلومات رقمية مؤقتة فوق المشهد الحقيقي. ومع ذلك، لا يزال السؤال الجوهري قائماً: هل يرغب المستخدمون فعلاً في هذا النوع من التكنولوجيا؟
تثير الأجهزة القابلة للارتداء، خاصة تلك المزودة بكاميرات، مخاوف جدية تتعلق بالخصوصية. فقد أصبحت النظارات الذكية وسيلة لبعض صُناع المحتوى لتصوير الآخرين خلسة، مما أدى إلى ردود فعل مجتمعية غاضبة تجاه هذه التقنيات.
وفي هذا الصدد، قد تكون آبل في وضع أفضل للتعامل مع هذا الحقل المليء بالألغام، نظراً لتركيزها الاستراتيجي على الخصوصية. فمن المتوقع أن تعالج الكاميرات في أجهزتها المرتقبة البيانات محلياً على الجهاز، دون إرسالها إلى السحابة الإلكترونية.
يرى بن وود، كبير المحللين في شركة سي سي إس إنسايت، أن الإمكانات التقنية لهذه الأجهزة تكاد تكون محدودة فقط بخيالنا. ويقول: في أفضل حالاته، سيسمح لنا الذكاء الاصطناعي بالتحدث إلى الحواسيب بالطريقة نفسها التي نتحدث بها إلى شخص آخر قادر على إنجاز المهام نيابة عنا.
ومع ذلك، يبقى التخوف من أن هذه التقنيات قد لا تقلل من وقت استخدامنا للشاشات، بل قد تضيف طبقة جديدة من الانغماس التكنولوجي، حيث تستمر الشاشات في عملها، وتضاف إليها تقنيات أخرى ترافقنا في كل خطوة.
ويختتم وود قائلاً: أنا مؤمن تماماً بأن الهاتف الذكي لن يختفي أبداً، فقد أصبح جزءاً من نسيج المجتمع الحديث، لكن هناك رغبة حقيقية لدى شركات التكنولوجيا والمستخدمين في أن نرفع رؤوسنا قليلاً عن الشاشات.