
بعد مرور عشر سنوات على قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تواجه مدينة لندن واقعاً مالياً جديداً اتسم بالتحديات التنظيمية، لكنه أثبت مرونة لافتة في الحفاظ على مكانتها كمركز مالي عالمي رائد. لقد أدى بريكست إلى فقدان لندن لـ جواز السفر المالي الذي كان يمنح الشركات المرخصة في العاصمة البريطانية حق الوصول السهل لعملاء الاتحاد الأوروبي، مما أجبر القطاع على إعادة هيكلة إستراتيجياته.
رغم التغييرات الجوهرية، تشير تقارير مؤسسة مدينة لندن إلى أن القطاع المالي والمهني في المملكة المتحدة لا يزال ركيزة اقتصادية كبرى؛ إذ سجل ناتج الخدمات المالية 307 مليارات جنيه إسترليني (405 مليارات دولار) في عام 2024، وهو ما يمثل نحو 12% من الناتج الاقتصادي البريطاني، مع مساهمة ضريبية بلغت 145 مليار دولار في عام 2023.

يرى خبراء الاقتصاد أن الأثر العام لبريكست كان سلبياً على الناتج المحلي الإجمالي، حيث تشير التقديرات إلى انخفاض يتراوح بين 3% إلى 5% عما كان سيكون عليه الوضع لو بقيت بريطانيا داخل التكتل. ومع ذلك، يفرق المحللون بين الضرر العام وتأثيره على حي المال؛ حيث إن الضرر لم يرقَ إلى مستوى الكارثة التي توقعها البعض، بفضل قدرة شركات الخدمات المالية على التكيف مع التنظيمات العابرة للحدود.
تُظهر بيانات شركة إرنست آند يونغ أن 44% من كبرى شركات الخدمات المالية في المملكة المتحدة قامت بنقل بعض عملياتها أو موظفيها إلى الاتحاد الأوروبي. وقد تم تحويل أصول بريطانية تتجاوز قيمتها 1.3 تريليون جنيه إسترليني إلى مراكز أوروبية، بينما تركزت الوظائف المنتقلة في مدن مثل باريس، فرانكفورت، ودبلن.

لم تشهد أوروبا ولادة لندن جديدة واحدة، بل اتسم المشهد بـ تشرذم المراكز المالية، حيث تخصصت كل مدينة أوروبية في قطاع معين؛ فبينما جذبت فرانكفورت وباريس بنوك الاستثمار، توجه مديرو الثروات والأصول إلى دبلن ولوكسمبورغ. ويؤكد الباحثون أن الشركات اختارت وجهاتها بناءً على الحد الأدنى الضروري لتلبية المتطلبات التنظيمية للاتحاد الأوروبي.
على الرغم من التحديات، لا تزال لندن تحتل المركز الثاني عالمياً بعد نيويورك في مؤشر المراكز المالية العالمية لعام 2026. وتظل المملكة المتحدة أكبر مصدّر صافٍ للخدمات المالية في العالم، مع توجه متزايد نحو الأسواق الآسيوية والأميركية، حيث أصبحت الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري لبريطانيا في الخدمات المالية بنسبة 35.1% من إجمالي الصادرات.

وتشير التقارير الصادرة في 2026 إلى أن الترابط بين أسواق الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لا يزال عميقاً؛ إذ لا يزال ثلثا تداول المشتقات المقومة باليورو يتم في لندن، مما يؤكد أن العاصمة البريطانية لا تزال تحتفظ بدور حيوي في النظام المالي الأوروبي، رغم خروجها السياسي من التكتل.