
بين أزقة المدينة العتيقة في تونس، حيث تختلط روائح الأسواق القديمة بصدى خطوات العابرين، تقودك الطرق إلى أنهج تصطف على جنباتها مبانٍ تحمل علامات البلدية تدعو إلى الحذر من خطر سقوطها. هنا، لا يتعلق الأمر بجدران عادية، بل بمبانٍ ضاربة في التاريخ، يعود بعضها إلى أكثر من 3 قرون، تقف اليوم كشاهد على أزمة عمرانية واجتماعية خانقة.
يصف نزار دربال، صاحب محل في المنطقة، الوضع بالمأساوي، مؤكداً أن الخطر لا يهدد السكان فقط بل المارة أيضاً. ويشير إلى أن عدداً من الملاك أخطروا السكان بضرورة الإخلاء، وسط عجز البلديات المتعاقبة عن إيجاد حلول جذرية تنهي حالة الانتظار القاتل للترميم أو الإزالة.
وفقاً لتقارير وزارة التجهيز والإسكان، تمثل المباني التي شيدت قبل عام 1956 نحو 6% من الرصيد السكني في البلاد، ويتركز معظمها في تونس الكبرى. هذا الملف اتخذ أبعاداً قانونية جديدة في يونيو 2024، حين صادق البرلمان التونسي على قانون خاص بالمباني المتداعية للسقوط، في محاولة للحد من حوادث الانهيار التي باتت جزءاً من يوميات السكان.
يرى المهندس المعماري بشير الرياحي أن هذه المباني، التي يُدرج بعضها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، تتطلب خبرات خاصة وتمويلات ضخمة للترميم، وهو ما تصطدم به الأولويات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة. وتؤكد المتخصصة في التراث ليلى الدعمي أن غلاء عمليات الصيانة وتراجع الدعم الحكومي جعلا من هذا الإرث العمراني يصارع عوامل التآكل وحيداً.
يوضح النائب صالح السالمي، مقرر لجنة التخطيط الإستراتيجي، أن الوضع القانوني للعقارات يزيد الملف تعقيداً؛ حيث تتوزع الملكية بين الدولة وأفراد ومالكين غير مقيمين، بالإضافة إلى حالات الاستيلاء غير القانوني. وبحسب مدير البناء ببلدية تونس، مرشد البصلي، فقد تم حصر نحو 1350 مبنى مهدداً بالسقوط، يتم التعامل معها وفق درجات الخطورة.
في نهاية المطاف، لا تبدو المعركة في المدينة العتيقة مجرد صراع مع الزمن، بل هي تحدٍ وطني لحماية الأرواح والحفاظ على ذاكرة مكانية تشكل هوية تونس التاريخية، حيث يخشى الجميع أن يسبق الانهيارُ الترميمَ، فيضيع جزء لا يعوض من التراث الإنساني.