
لا تزال ليبيا تعيش حالة من التجاذب السياسي والمؤسسي بعد سنوات من سقوط نظام معمر القذافي، إلا أن المساعي الأمريكية الأخيرة لإعادة توحيد مؤسسات الدولة تثير جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت هذه التحركات ستؤدي إلى استقرار حقيقي، أم ستنتهي بتكريس هيمنة العائلات المتنفذة على مفاصل الدولة.
يرى الباحث في معهد تشاتام هاوس، تيم إيتون، أن التحركات الأخيرة لواشنطن، لا سيما استقبال صدام حفتر ولقاؤه بوزير الخارجية ماركو روبيو، تمثل تحولاً سياسياً لافتاً. ويشير إيتون في تحليل نشرته فورين بوليسي إلى أن هذه الخطوات تثير تساؤلات حول توجه الإدارة الأمريكية نحو إضفاء الشرعية على صيغة لتقاسم السلطة بين عائلتي حفتر والدبيبة.
وعلى الرغم من تأكيدات الإدارة الأمريكية على هدفها المتمثل في توحيد المؤسسات، يرى مراقبون أن السيناريو المطروح قد يمنح عائلة الدبيبة رئاسة الحكومة مقابل تولي عائلة حفتر قيادة المجلس الرئاسي. ويحذر التحليل من أن هذا الترتيب، بدلاً من أن يكون جسراً نحو انتخابات ديمقراطية، قد يتحول إلى وضع دائم يرسخ نفوذ العائلتين ويقضي على آمال التغيير السياسي في البلاد.
وتشير المصادر إلى أن صدام حفتر قد ينظر إلى منصب رئيس المجلس الرئاسي كـمنصة للسيطرة الكاملة على الدولة، بينما تظل عائلة الدبيبة متمسكة برئاسة الحكومة كضمانة لنفوذها، مما ينذر باستمرار الصراع ولكن هذه المرة من داخل أروقة المؤسسات الرسمية.
لا تغيب المصالح الاقتصادية عن المشهد، حيث تسعى إدارة ترمب إلى توسيع حضور الشركات الأمريكية في قطاع النفط الليبي، وهو ما ظهر جلياً في تحركات المبعوث الأمريكي مسعد بولس. ومع ذلك، يشدد التحليل على أن نجاح هذه الاستثمارات مرهون بتحسين الحوكمة الاقتصادية واستعادة الانضباط المالي.
ويختتم التقرير بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط فعالة، مثل القيود المالية والعقوبات الفردية، داعياً إلى توظيفها لدفع الفرقاء نحو إصلاحات مؤسسية حقيقية، بدلاً من الرهان على صفقات سياسية أثبتت التجارب التاريخية -كما في العراق وأفغانستان- أنها لا تؤدي إلا إلى المزيد من الفشل.