
تراقب الدولة المصرية عن كثب تدفقات مياه النيل القادمة من الهضبة الإثيوبية، في ظل استمرار تعقيدات ملف سد النهضة. وفي هذا السياق، أجرت وزارة الموارد المائية والري محاكاة دقيقة لسيناريوهات الطوارئ وإدارة الموارد للموسم الحالي، بهدف تقييم الاستعداد الرسمي لمواجهة احتمالات تراجع معدلات الأمطار أو ارتفاع الطلب المحلي على المياه في بلد يعتمد بشكل شبه كلي على النهر.
لم تعد التحذيرات المناخية مجرد تنبؤات مستقبلية، بل باتت عاملاً مؤثراً بشكل مباشر في دورات الجفاف والفيضانات وتوزيع الأمطار في القارة الأفريقية. وتؤكد الدراسات الدولية أن حوض النيل سيكون من بين المناطق الأكثر عرضة للتقلبات المناخية، مما يفرض ضرورة تطوير آليات مرنة لإدارة الموارد المائية وتعزيز التعاون الإقليمي.
في تصريحات خاصة، أوضح الدكتور عباس شراقي أن التنبؤ بمستقبل التدفقات المائية لا يمكن أن يعتمد على النماذج المناخية وحدها، بل يرتبط بالمتابعة الفعلية للأمطار على منابع النيل. وأشار إلى أن منظومة النهر تعتمد على مصدرين؛ المنابع الاستوائية والهضبة الإثيوبية، لافتاً إلى أن المؤشرات الحالية تظهر أداءً جيداً للأمطار في المنطقة الاستوائية، بينما تشير النماذج إلى احتمالية تسجيل معدلات أقل من المتوسط في إثيوبيا.
أكد شراقي أن نهر النيل يمر بدورات طبيعية من الوفرة والجفاف، مستشهداً بفترة الثمانينيات (1981-1987) التي أثبتت كفاءة السد العالي كخط دفاع رئيسي. وأوضح أن السد العالي يمتلك القدرة على تنظيم التدفقات، حيث يتم توجيه الفوائض المائية في حالات التخزين المرتفع إلى منخفضات توشكى لحماية المنشآت المائية.
تطرق شراقي إلى قضية الأمن المائي في ظل الزيادة السكانية، مشيراً إلى أن حصة مصر الثابتة البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً لم تشهد زيادة منذ بناء السد العالي، بينما انخفض نصيب الفرد من المياه من ألفي متر مكعب في السبعينيات إلى قرابة 500 متر مكعب حالياً.
وشدد على أن معيار الأمم المتحدة (ألف متر مكعب للفرد) يجب أن يُقرأ في سياق الخصائص الجغرافية والمناخية لكل دولة، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في كفاءة الإدارة وترشيد الاستخدام، حيث تنجح دول ذات موارد محدودة في تحقيق أمن مائي مستدام عبر التخطيط الجيد، بينما تعاني دول غنية مائياً بسبب سوء الإدارة.