
حين اجتمع الآباء المؤسسون في فيلادلفيا عام 1787 لصياغة الدستور، كان يسكنهم هاجس واحد بالغ الوضوح: أن الحرية الحقيقية لا تُصان إلا حين تكون السلطة موزعة لا مركّزة، ومقيّدة لا مطلقة، وخاضعة لرقابة القانون لا لإرادة رجل.
وبعد 250 عاما، يطرح المشهد الأمريكي سؤالاً وجودياً: هل نجح نظام الحكم في حماية نفسه من الفردية المطلقة، أم أن الجدار المتين الذي بناه المؤسسون بات يُجوّف من الداخل؟
بينما تحتفل الولايات المتحدة بـحرية 250، يشعر قطاع واسع من الأمريكيين بأن البلاد تنتقل من مرحلة جمهورية المؤسسات إلى تتويج الرجل. وتكشف استطلاعات الرأي عن قلق عميق، حيث يرفض واحد من كل 5 أمريكيين المشاركة في احتفالات الاستقلال، بينما يتوقع اثنان من كل 5 أن الجمهورية قد لا تصمد لـ250 عاماً إضافية.
يرى الباحث السياسي الدكتور أسامة أبو ارشيد أن المؤسسين لم يتصوروا قط أن يتحول النظام السياسي إلى رهينة لحزب واحد، أو أن يُختزل الحزب الجمهوري اليوم في شخص دونالد ترمب. هذا الاختزال خلق معادلة غير مسبوقة: رئيس يسيطر على السلطة التنفيذية، ونفوذ ممتد عبر تعيينات القضاء، وسيطرة على مفاصل الحزب في الكونغرس.
من جانبه، يذهب أستاذ السياسة الدولية سكوت لوكاس إلى أن ما يحدث هو تشويه ممنهج للبيروقراطية الأمريكية، مشيراً إلى مشروع 2025 وتأسيس ما سُمّي بـوزارة الكفاءة الحكومية كأدوات لتطهير المؤسسات من الولاءات التقليدية واستبدالها بولاءات شخصية لترمب.
في المقابل، يرى المسؤول السابق في البنتاغون ديفيد دي روش أن ما يجري يندرج ضمن نمط تاريخي متكرر، حيث تقوم الإدارات المتعاقبة بإعادة تشكيل البيروقراطية بعد فترات سيطرة طويلة، معتبراً أن هذه التغييرات تظل قابلة للإصلاح في المستقبل.
تمثل معركة الهوية والتركيبة الديموغرافية تحدياً جوهرياً. ويشير أبو ارشيد إلى أن ترمب يتفاعل مع مخاوف شريحة واسعة من الأمريكيين البيض تجاه التغيرات الديموغرافية، مما جعل الجنسية بالولادة -المحمية بالتعديل 14 للدستور- ساحة للمواجهة القانونية والسياسية.
بينما يرى دي روش أن النقاش حول تطبيق النصوص الدستورية القديمة على واقع الهجرة الجماعية هو نقاش مشروع، يحذر أبو ارشيد من أن المحكمة العليا بتشكيلها الحالي قد تُحدث سوابق قضائية تغير وجه الجمهورية لعقود.
تتسم السياسة الخارجية في العهد الحالي بنزعة نرجسية توسعية، حيث يتم ربط المصالح الاستراتيجية بالولاء الشخصي للرئيس. يرى لوكاس أن شعار أمريكا أولاً تحول إلى واجهة لأجندة ترمب أولاً، بينما يرى دي روش أن التحركات الأمريكية -مثل التوجه تجاه غرينلاند أو فنزويلا- تعكس قلقاً استراتيجياً من التمدد الروسي والصيني أكثر من كونها نزعة توسعية ذاتية.
يظل السؤال حول قدرة المؤسسات على الصمود هو التحدي التاريخي الفاصل. وبينما يعتقد البعض أن مرونة النظام الدستوري كفيلة بامتصاص الصدمات، يرى آخرون أن تآكل الروح التأسيسية للمؤسسات من الداخل يُعد مؤشراً على مرحلة انتقالية خطيرة قد تغير طبيعة الولايات المتحدة كما عرفها العالم طوال قرنين ونصف.