
تخوض هولندا سباقاً مع الزمن لتطوير منظومتها الدفاعية ضد المياه، في ظل واقع جغرافي يضع ربع مساحة البلاد تحت مستوى سطح البحر. ومع تسارع التغيرات المناخية، تحولت الدولة التي اشتهرت ببراعتها في ترويض الطبيعة إلى مختبر عالمي للبحث عن حلول للبقاء.
يصف كو فيرداس، مفوض برنامج دلتا، الوضع في هولندا قائلاً: نحن نعيش في حوض استحمام، وهذا الحوض سيمتلئ بالماء. ويشير الخبراء إلى أن الحلول التقنية التي اعتمدت عليها البلاد لقرون لم تعد كافية وحدها أمام ارتفاع مستويات بحر الشمال والظواهر الجوية المتطرفة، مما يفرض تحولاً جذرياً في استراتيجيات التعايش مع المياه بدلاً من الاكتفاء بالسيطرة عليها.
يُعد نظام أعمال دلتا العمود الفقري للأمن المائي الهولندي، وهو منظومة هندسية عملاقة تمتد لأكثر من ألف كيلومتر، اكتمل بناؤها عام 1997 رداً على فيضانات عام 1953 الكارثية. لكن اليوم، يواجه هذا النظام تحديات جديدة، حيث تتطلب البنية التحتية تحديثات جذرية لتستوعب التقديرات الجديدة لارتفاع منسوب البحار، والتي تشير إلى زيادات قد تتجاوز التوقعات السابقة.
ويؤكد يوب فيرهاغن، الخبير في المركز العالمي للتكيف، أن العقلية الهولندية تغيرت، موضحاً: انتقلنا من فكرة التحكم المطلق بالمياه إلى التعايش معها، وقبول حقيقة أنه لا يمكننا السيطرة دائماً على الطبيعة.
تعتمد هولندا على محطات ضخ عملاقة وحواجز متحركة مثل حاجز مايسلانت الذي يحمي مدينة روتردام. هذا الحاجز، المكون من ذراعين ضخمين، يغلق الممر المائي عند الضرورة، لكن التوقعات تشير إلى أن تكرار حالات الإغلاق قد يزداد بشكل كبير، مما يهدد حركة الملاحة في أحد أكبر موانئ العالم.
تستثمر هولندا نحو 1% من ناتجها المحلي في حماية المياه، مع خطط طموحة تصل تكلفتها إلى 38 مليار يورو بحلول عام 2050. ولا تقتصر الحلول على الخرسانة والسدود، بل تشمل تجارب تعتمد على الطبيعة، مثل تعزيز السواحل عبر السماح للرمال والطمي بالترسب لرفع مستوى اليابسة تدريجياً.
وعلى صعيد الأنهار، تبنت البلاد برنامج مساحة للنهر، الذي يسمح بغمر السهول الفيضية بأمان عند ارتفاع المناسيب، كبديل مرن للأساليب التقليدية. ويختتم فيرداس الرؤية الهولندية قائلاً: ليست هناك مفاضلة بين الحلول المعتمدة على الطبيعة أو الحلول التقنية، بل يجب أن تعمل الابتكارات التقنية جنباً إلى جنب مع النظام الطبيعي.