2026/07/03
جدلية ثقافة المركز في السودان: إرث حضاري أم أداة للاستقطاب السياسي؟

تشكلت الثقافة السودانية عبر قرون من التلاقح الحضاري الذي لم يكن يوماً نتاج قرار سلطوي أو فرض قسري، بل كان ثمرة تفاعل طبيعي لجغرافيا النيل وربط البحر الأحمر للسودان بمحيطه العربي والإسلامي. هذا المركز الثقافي، الذي يختزله البعض في ثقافة الوسط والشمال، هو في جوهره فضاء حضاري متسع لم يكن يوماً حكراً على عرق أو قبيلة بعينها.

جذور التكوين الثقافي

لقد جعل النيل من مناطق الشمال والوسط معبراً للتجارة والأفكار، مما أدى إلى تراكم ثقافي استوعب الوافدين وأعاد إنتاجهم في قالب سوداني خاص. وفي المقابل، احتفظت أقاليم أخرى بخصوصياتها المحلية بحكم الجغرافيا، وهو أمر طبيعي في مسيرة الأمم لا يحمل في طياته انتقاصاً أو تفضيلاً.

لم يتشكل هذا المركز الثقافي بقرار من سلطة، ولا نتيجة فرض قسري لهوية بعينها، وإنما كان ثمرة عوامل جيوسياسية وتاريخية تراكمت عبر القرون.

وقد انعكس هذا الانفتاح الحضاري على السلم الاجتماعي؛ حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن التنوع الكبير للقبائل في هذا النطاق الجغرافي لم يفضِ إلى صراعات مسلحة، بل سادت آليات التعايش والمصاهرة. كما كان للتعليم الأهلي دور ريادي في ترسيخ قيم التواصل والانفتاح، بعيداً عن الامتيازات السياسية.

الثقافة كـ ورقة تفاوض

في العقود الأخيرة، جرى تحميل هذه الحقيقة التاريخية ما لا تحتمل، حيث عمدت بعض النخب السياسية والحركات المسلحة إلى تصوير ثقافة المركز كأداة للهيمنة والإقصاء. ويشير الواقع إلى أن هذا الخطاب غالباً ما يتحول إلى ورقة تفاوض لتحقيق مكاسب سياسية، بينما تظل المجتمعات المحلية في الأقاليم تعاني من الفقر وضعف الخدمات.

الاستقرار والسلم الأهلي يهيئان بيئة يلتقي فيها الناس، فتتسع اللغة، وتتداخل العادات، وتتجدد الأذواق، وتنمو ثقافة سودانية أكثر ثراء وتماسكا، دون أن تلغي الخصوصيات المحلية أو تصادرها.

تحديات الهوية والعدالة

أثبتت الحرب الراهنة أن مواطني الأطراف يميلون بطبعهم إلى مؤسسات الدولة الجامعة، حيث نزحت أعداد ضخمة نحو المناطق التي تمثل ثقل الدولة. إن التحدي الحقيقي ليس في وجود مركز ثقافي -وهو ظاهرة طبيعية في كل أمة- بل في تحويل هذا المركز إلى خصم سياسي، واستغلال مظالم التنمية المشروعة كذريعة لتفكيك الهوية الوطنية.

بادر أهل الوسط والشمال إلى إنشاء مدارس التعليم الأهلي قبل أن تتوسع الدولة في هذا المجال، إدراكا منهم أن التعليم هو المدخل الأهم للترقي الاجتماعي والانفتاح على العالم.

إن واجب المرحلة يقتضي توسيع دائرة المشاركة في هذا الإرث الحضاري، ومعالجة اختلالات التنمية والتمثيل عبر سياسات عامة عادلة، بدلاً من الانجرار خلف صراعات الهوية التي لا تخدم سوى الباحثين عن السلطة على حساب وحدة الوطن واستقراره.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news22379.html