
تعد ليبيا واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً في الشرق الأوسط، حيث شهدت منذ عام 2011 سلسلة طويلة من المبادرات والوساطات الدولية التي لم تفلح في إنهاء حالة الانقسام وتعدد مراكز الحكم. وتبرز اليوم محاولة أمريكية جديدة، يقودها مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، تهدف إلى توحيد المؤسسات الليبية كخطوة أولى نحو تسوية سياسية شاملة.
تقوم المبادرة على مسار تدريجي يركز على توحيد المؤسسات الليبية، مع طرح إمكانية استضافة واشنطن لتوقيع اتفاق نهائي بين الأطراف المتنازعة. وقد بدأ العمل على هذا المسار منذ أكثر من عام، بدءاً من لقاءات في روما لبناء تفاهمات اقتصادية وأمنية.
وقد أثمرت هذه التحركات خطوات ملموسة، منها إقرار موازنة وطنية موحدة، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة في مدينة سرت بإشراف القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم). وتشير تقارير إلى وجود ترتيبات سياسية تتضمن بقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة على رأس حكومة موحدة، مقابل منح صدام حفتر منصباً تنفيذياً أو سياسياً رفيعاً، وهي تفاهمات لم يتم الإعلان عنها رسمياً حتى الآن.
تتزامن المبادرة الأمريكية مع حراك دبلوماسي واستخباراتي مكثف، حيث شهدت طرابلس زيارات متزامنة لرئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، ركزت على توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية.
ويرى مراقبون أن التقارب المصري-التركي انعكس بشكل مباشر على الملف الليبي، رغم تباين الأولويات؛ حيث تركز القاهرة على اعتبارات الأمن القومي وحدودها الغربية، بينما تسعى أنقرة إلى موازنة علاقاتها بين مختلف الأطراف الليبية.
في سياق متصل، استقبل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن صدام حفتر، نائب قائد القيادة العامة في شرق ليبيا، لبحث جهود توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية. ويأتي هذا اللقاء عقب زيارة مماثلة قام بها وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية عبد السلام الزوبي إلى واشنطن.
ورغم هذه التحركات، يواجه المسار تحديات داخلية كبيرة، أبرزها رفض أطراف في مدن مثل مصراتة وطرابلس لإدماج شخصيات من معسكر حفتر في أي تسوية سياسية، بالإضافة إلى مخاوف الكيانات العسكرية والاقتصادية المستفيدة من الوضع الراهن من أن تؤدي عملية التوحيد إلى تقليص نفوذها ومصالحها.