
في ظل الأزمات التي تعصف بنماذج التمويل التقليدية للمؤسسات الصحفية، وتراجع عوائد الإعلانات، يطرح أبيناندان سيخري، الشريك المؤسس لمنصة نيوزلوندري الهندية، رؤية جذرية لمستقبل الإعلام الرقمي؛ مؤكداً أن معضلة الناشرين ليست تقنية، بل تكمن في جوهر المنتج والرسالة التي يحملها.
يرى سيخري، الذي استعرض خلاصة تجربة امتدت لـ 14 عاماً في مؤتمر الإعلام الرقمي، أن محاولة الجمع بين الإعلانات واشتراكات الجمهور تخلق تضارباً في المصالح؛ فالقارئ لا يمكن إقناعه بالدفع مقابل محتوى إذا كان يشعر بأن المؤسسة تتاجر ببياناته ووقت انتباهه لصالح المعلنين. لذا، تبنت نيوزلوندري نموذجاً قائماً على قاعدة لا إعلانات، حيث يعد الاشتراك عقد ثقة طويل الأمد.
يؤكد سيخري أن المشتركين لا يدفعون لأن المنتج الإخباري يتفوق تقنياً أو يتميز بتصميم جذاب، بل لأنهم يؤمنون بما تمثله المؤسسة. العلاقة هنا تتجاوز الاستهلاك العابر لتصبح انحيازاً للصحافة المستقلة ومساءلة السلطة. ويستشهد في ذلك بتغطية منصته لجدل امتحانات نيت (NEET)، حيث أدى التحقيق الميداني الجاد إلى نمو قاعدة المشتركين بشكل طبيعي، لا نتيجة حملات تسويقية عارضة.
ويحذر سيخري من استيراد الوصفات؛ فنجاح نموذج نيويورك تايمز في الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة قابليته للتطبيق في بيئات أخرى كالهند، حيث تتعدد اللغات وتختلف طبيعة العلاقة مع السلطة. هذا التحذير ينسحب أيضاً على المؤسسات الإعلامية العربية التي تحتاج إلى اختبار الفروق الثقافية والقدرة الشرائية قبل محاكاة النماذج الغربية.
يرفض سيخري الاستخدام الفضفاض لمصطلح الصحافة، مشدداً على أنه لا وجود لمنتج إخباري حقيقي دون مراسلين على الأرض، يخضعون لإشراف تحريري وفحص دقيق للحقائق. ويضيف: الجمهور لا يمول المحتوى فحسب، بل يمول قدرة المؤسسة على الوصول إلى المناطق الصعبة والبقاء فيها لفترات طويلة، وهو ما يفتقده الإعلام السريع.
ولضمان الاستقلالية، وضعت المنصة سقفاً للمساهمة الفردية (595 دولاراً تقريباً)، لتجنب وقوع المؤسسة تحت تأثير مانح واحد. ويخلص سيخري إلى أن المؤسسات الصغيرة والرشيقة قد تكون أكثر قدرة على البقاء إذا تمسكت بالمعيار الصحفي الصارم؛ فالبقاء المالي للمؤسسة لا يعني شيئاً إذا تخلت عن دورها في المساءلة والتحقق.