2026/07/05
أمريكا في مواجهة اختبار التأسيس: هل تنهار هندسة الحرية أمام صراع السلطة؟

يرسم الصحفي الأمريكي غريغ إيب والكاتب البريطاني سيمون شاما صورة مركبة لتجربة الولايات المتحدة منذ لحظة التأسيس وحتى حاضرها السياسي المتوتر، في سردية تجمع بين الاقتصاد والسياسة والتاريخ الفكري، لطرح سؤال جوهري: هل ما زالت المؤسسات التي صنعت الثراء الأمريكي قادرة على حماية الديمقراطية ذاتها؟

ينطلق التحليل من الفكرة التأسيسية التي تؤكد أن الولايات المتحدة لم تصبح القوة الاقتصادية الأكبر بفعل الموارد أو الصدفة، بل بفضل تصميم سياسي دقيق أرساه الآباء المؤسسون، قائم على مبدأ كبح السلطة وتوزيعها، وحماية الحقوق الفردية، وترسيخ الثقة في سيادة القانون.

مبنى
مبنى الكابيتول يرمز للهندسة الدستورية التي أرساها الآباء المؤسسون

مؤسسات تحت الاختبار

يستحضر غريغ إيب ملاحظات المفكر ألكسيس دو توكفيل، الذي رأى أن الديمقراطية الأمريكية خلقت طاقة اقتصادية غير مسبوقة لأن المواطنين شعروا بأنهم فاعلون في مصيرهم. ويشير إيب إلى أطروحات الاقتصاديين دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون حول الفرق بين المؤسسات الاستخراجية التي تحتكر السلطة، والمؤسسات الشاملة التي تتيح الفرص المتكافئة، معتبراً أن نجاح أمريكا التاريخي اعتمد على النموذج الثاني.

ومع ذلك، يرى الكاتب أن استقلالية المؤسسات الحيوية -مثل الاحتياطي الفيدرالي- تواجه اليوم اختباراً غير مسبوق؛ حيث بدأت الضوابط تتعرض للتآكل مع صعود رؤى سياسية تدفع نحو تركيز السلطة التنفيذية، وهو ما يبرز في الجدل حول سياسات الرئيس دونالد ترمب ومحاولاته توسيع صلاحيات البيت الأبيض على حساب الهيئات المستقلة.

المحكمة
المحكمة العليا تحاول ضبط التوازن بين سلطة الرئيس وصلاحيات الكونغرس

التاريخ كساحة صراع

من جانبه، يقدم سيمون شاما عمقاً تاريخياً يعيدنا إلى لحظة التأسيس، مؤكداً أن أمريكا لم تكن مشروعاً مكتملاً، بل تجربة مليئة بالتناقضات بين مبادئ الحرية وواقع العبودية. ويشير شاما إلى أن إعلان الاستقلال ذاته حمل تناقضات أخلاقية، حيث حُذفت منه فقرات تدين العبودية رغم وجود مالكي عبيد بين واضعيه.

قوة التجربة الأمريكية لا تكمن في نقائها ولا اكتمالها، بل في قدرتها المستمرة على التوازن بين الطموح والحدود، وبين السلطة والحرية، وبين الرواية الوطنية والنقد الذاتي.

ويحذر شاما من النزعة لتبسيط التاريخ الأمريكي وتحويله إلى سردية احتفالية؛ فالتاريخ في جوهره مسار طويل من الصراع بين الحرية والقمع، وهو التوتر الذي يمنح التجربة الأمريكية معناها واستمرارها.

الرئيس
ترمب سعى إلى توسيع سلطات الرئاسة على حساب المؤسسات

خلاصة المشهد

تتفق الرؤيتان على أن الولايات المتحدة تعيش اليوم لحظة مفصلية؛ فبينما يحذر التحليل الاقتصادي من تقويض استقلالية المؤسسات، يذكّر التحليل التاريخي بأن النظام الأمريكي وُلد من تناقضات عميقة لم تُحسم يوماً. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع هذه التجربة الحفاظ على توازنها في زمن تتزايد فيه الضغوط على مؤسساتها وتتشظى فيه روايتها عن نفسها؟

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news22803.html