
عادت الأمراض والأوبئة لتتصدر العناوين العالمية، ومعها يبرز تساؤل جوهري حول تأثير هذه الأخبار على أذهاننا. فبعيداً عن المخاطر الصحية المباشرة، تترك هذه الأخبار أثراً عميقاً في طريقة تفكيرنا وسلوكياتنا الاجتماعية.
تشير الدراسات النفسية إلى أن البشر مزودون فطرياً بما يُعرف بـ الجهاز المناعي السلوكي، وهو مجموعة من الاستجابات النفسية التي طورتها البشرية لتقليل فرص التعرض لمسببات الأمراض. يوضح مارك شالر، الباحث في جامعة بريتيش كولومبيا، أن هذا الجهاز يعمل بمجرد الإيحاء بوجود مرض، مما يدفعنا لاتخاذ إجراءات وقائية لا تقتصر على النظافة فحسب، بل تمتد لتشمل مواقفنا الاجتماعية والأخلاقية.
تتمثل الآلية الأساسية لهذا الجهاز في الاشمئزاز؛ حيث نتجنب غريزياً كل ما يوحي بخطر العدوى، مثل روائح الطعام المتعفن أو المشاهد المرتبطة بالمرض، كآلية دفاعية أولية.
تشير الأبحاث إلى أن التذكير بالعدوى يجعل الأفراد أكثر ميلاً إلى الامتثال للأعراف الاجتماعية والقواعد السائدة في المجتمع، وذلك لضمان احتواء انتشار الأمراض. وقد أظهرت تجارب معملية أن المشاركين الذين تعرضوا لمثيرات مرتبطة بالمرض أبدوا ميلاً أكبر لمسايرة آراء الجماعة وتجنب المخاطر.
علاوة على ذلك، أظهرت الدراسات أن أحكامنا الأخلاقية تصبح أكثر قسوة في أوقات تفشي الأمراض. ومن منظور تطوري، يُعتقد أن هذه الصرامة الأخلاقية ساعدت المجموعات البشرية قديماً على مراقبة سلوك الأفراد لضمان التزام الجميع بالاحتياطات الصحية الضرورية.
الجانب الأكثر إثارة للقلق في نشاط الجهاز المناعي السلوكي هو تأثيره على الثقة الاجتماعية. ففي أوقات الأزمات الصحية، قد يميل الأفراد لاشعورياً إلى تصنيف الغرباء أو المهاجرين كحملة محتملين لمسببات الأمراض، مما يغذي مشاعر كراهية الأجانب ويضعف الشعور بالهوية والمصير المشترك.
رغم قوة هذه الاستجابات النفسية، يشدد الخبراء على أن سلوك الإنسان يظل محكوماً بمجموعة معقدة من العوامل، بما في ذلك التعليم، والبيئة المحيطة، والشخصية الفردية. فلا يمكن اعتبار الجهاز المناعي السلوكي عاملاً حاسماً ووحيداً في اتخاذ قراراتنا السياسية أو الأخلاقية.
في المرة القادمة التي نقرأ فيها أخباراً عن تفشٍ وبائي، يجدر بنا أن ندرك أن استجاباتنا المتشددة تجاه من يخالفون القواعد أو تجاه الغرباء قد تكون نابعة من جهاز مناعي سلوكي نشط، وهو ما يستدعي مزيداً من الوعي والتروي قبل إصدار الأحكام.