
منذ فجر التاريخ، مثلت الظلمة الطبيعية لليل النافذة الأولى للإنسان لفهم أسرار الكون، ومنها انطلقت رحلة البشر لاكتشاف المجرات والنجوم. ومع تطور العلوم، ظلت السماء المظلمة ركيزة أساسية لرصد الأجرام الخافتة. اليوم، يواجه هذا الإرث الإنساني تهديداً غير مسبوق، ليس بفعل ظاهرة طبيعية، بل نتيجة مشاريع تجارية طموحة تهدف لإطلاق أسراب من الأقمار الاصطناعية العاكسة للضوء (Reflect Orbital).
كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة الفلك والفيزياء الفلكية (Astronomy & Astrophysics)، بقيادة أوليفييه هينو، مدير العمليات في المرصد الأوروبي الجنوبي، أن هذه الأقمار المصممة لتعكس أشعة الشمس وتوجيهها نحو الأرض لتوفير الإضاءة ليلاً، ستؤدي إلى زيادة سطوع السماء بشكل جذري. هذا السطوع سيقلل التباين الذي تعتمد عليه التلسكوبات لاكتشاف النجوم البعيدة، مما قد يجعل عمليات الرصد الفلكي شبه مستحيلة.
ويحذر هينو من التبعات التقنية لهذا المشروع قائلاً: قد نصل إلى مرحلة لا يعود فيها لتشغيل التلسكوبات أي جدوى، لأن جميع البيانات ستكون ملوثة بنسبة 100%.
يوضح الباحثون أن التلسكوبات الحديثة تعتمد على تجميع كميات ضئيلة جداً من الضوء القادم من أعماق الكون، وأي زيادة في الخلفية الضوئية تفرض زيادة في أزمنة التعريض الضوئي. ويشرح هينو ذلك بالقول: إذا تضاعف التلوث الضوئي بنسبة 100%، فيجب مضاعفة زمن جميع عمليات الرصد. هذا الأمر سيقلص قدرة المراصد على دراسة الثقوب السوداء، المادة المظلمة، وأوائل المجرات التي تشكلت بعد الانفجار العظيم.
لا يقتصر القلق على الفلكيين، بل يمتد ليشمل حق البشر في التمتع بسماء طبيعية. ويشير روبرت ماسي، نائب المدير التنفيذي في الجمعية الفلكية الملكية، إلى أن موافقة الجهات التنظيمية على مثل هذه المشاريع تمنح الشركات سلطة تغيير منظر السماء دون استشارة الجمهور، وهو ما يتطلب مراجعة فورية لمعاهدة الفضاء الخارجي والقوانين المنظمة للأنشطة التجارية في المدار.
إن العالم اليوم يقف أمام تساؤل جوهري: كيف يمكن الموازنة بين الابتكار التجاري وحماية إرث كوني يشترك فيه جميع البشر؟ فالمحافظة على سماء الليل ليست مجرد دفاع عن علم الفلك، بل هي حماية لنافذة الإنسان الدائمة نحو فهم أصل الوجود.