
منذ أن وضع الفيزيائي النمساوي فولفغانغ باولي فرضية وجود النيوترينو عام 1930، تحول هذا الجسيم الشبحي إلى أحد أكثر الألغاز إثارة في الفيزياء الحديثة. وبفضل قدرته الفائقة على اختراق المجرات والنجوم دون تفاعل يُذكر مع المادة، بات النيوترينو يحمل في طياته سجلات تاريخية لأحداث كونية وقعت قبل مليارات السنين.
وفي إنجاز علمي بارز، أعلن فريق دولي من الباحثين عن رصد أقوى دليل حتى الآن على وجود خلفية نيوترينوية خافتة ناتجة عن انفجارات المستعرات العظمى (السوبرنوفا) المتلاحقة عبر تاريخ الكون. النتائج التي عُرضت في مؤتمر نيوترينو 2026 بجامعة كاليفورنيا، تفتح آفاقاً جديدة لفهم دورة حياة النجوم وتطور الكون.
تنفجر النجوم الضخمة في لحظاتها الأخيرة لتطلق كميات هائلة من النيوترينوهات التي تعبر الكون متجاوزة كافة العوائق المادية. هذا التراكم المستمر لهذه الجسيمات على مدى مليارات السنين شكل ما يُعرف بـ خلفية النيوترينوهات المنتشرة، وهي إشارة كونية ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن متناول أجهزة القياس.
ويؤكد العلماء أن رصد هذه الخلفية سيتيح بناء سجل دقيق لمعدل موت النجوم ومقارنته بالنماذج النظرية، مما يوفر وسيلة فريدة لدراسة تطور الكون تتجاوز الاعتماد على الضوء التقليدي.
يعتمد هذا البحث على بيانات جمعها مرصد سوبر-كاميوكاندي الياباني، المقام على عمق 1000 متر تحت الأرض. يضم المرصد خزاناً يحتوي على 50 ألف طن من الماء فائق النقاء، مزوداً بأنابيب شديدة الحساسية لرصد الومضات الضوئية الناتجة عن مرور النيوترينوهات.
ولرفع دقة النتائج، استخدم الباحثون تقنية إضافة عنصر الغادولينيوم إلى مياه الكاشف، مما ساعد في تمييز النيوترينوهات الإلكترونية المضادة عن الإشارات المضللة، وهو ما جعل البيانات الحالية الأكثر حساسية في تاريخ المشروع.
بعد تحليل بيانات امتدت لنحو 5 آلاف يوم، رصد العلماء زيادة ذات دلالة إحصائية ضمن نطاق طاقي محدد (13.3 إلى 81.3 ميغا إلكترون فولت). بلغت قوة الإشارة 2.6 سيغما (بمستوى ثقة 99.5%)، وهو ما يصفه الباحثون بأنه أقوى مؤشر حتى الآن، مع بقاء الحاجة لمعيار 5 سيغما لإعلان الاكتشاف بشكل نهائي.
يتطلع المجتمع العلمي إلى تشغيل مرصد هايبر-كاميوكاندي الجديد، الذي سيوفر دقة وحساسية أكبر بكثير. ويقول الأستاذ المساعد في جامعة توهوكو، يوسوكي آشيدا، إن دمج البيانات بين المرصدين سيشكل قفزة نوعية في فصل الضوضاء الخلفية عن الإشارات الحقيقية، تمهيداً لرصد مؤكد لهذه الخلفية الكونية التي تحمل ذاكرة الكون منذ ولادة النجوم الأولى.