
تخيل أن تدخل متجراً إلكترونياً، تقضي وقتاً في مقارنة المنتجات وقراءة المراجعات، تختار قطعك المفضلة وتضعها في سلة المشتريات، ثم تضغط تأكيد الدفع. تنتقل بعدها إلى شاشة تتبع عامل التوصيل وهو يتحرك على الخريطة نحو منزلك، فتشعر بمزيج من الإثارة والرضا. لكن هناك تفصيل واحد غائب: حسابك البنكي لم ينقص فلساً واحداً، ولن يطرق بابك أحد أبداً.
هذا ليس خللاً تقنياً، بل أحدث صيحة تجتاح هواتف الشباب في كوريا الجنوبية ثم انتقلت إلى منصات الجيل زد حول العالم، فيما بات يُعرف بـمواقع وتطبيقات الدوبامين (Dopamine Shopping Sites). هذه المنصات تقدم محاكاة كاملة من التصفح إلى الشحن والطلبات الوهمية، دون منتجات حقيقية ودون أموال فعلية.
لطالما اعتقدنا أن سعادة الشراء تكمن في لحظة فتح الطرد المستلم، لكن علم الأعصاب يرسم صورة مختلفة. فوفقاً لتقارير متخصصة في علم النفس، يتدفق هرمون الدوبامين المسؤول عن الشعور بالمكافأة والترقب خلال مرحلة السعي والمطاردة، أي أثناء تصفح المنتجات والمفاضلة بينها، لا عند امتلاكها فعلياً.
استغلت تطبيقات الدوبامين هذه الثغرة بدقة، إذ نجحت في فصل المتعة النفسية للتسوق عن الألم المالي عند الدفع. وهكذا وجد الجيل زد في هذه اللعبة الرقمية ملاذاً يمنحهم جرعة المكافأة الكيميائية دون أن يدفعوا ثمنها.
شباب يتسوقون دون دفع المال..
مواقع في كوريا الجنوبية تمنح مستخدمين يبحثون عن الراحة النفسية متعة التسوق من دون شراء فعلي.
هل سمعتم بمواقع الدوبامين؟ pic.twitter.com/fB5KFrMWPQ— AJ+ عربي (@ajplusarabi) June 19, 2026
يتحول التسوق الوهمي إلى ما يشبه العلاج بالتعرض البديل؛ فعندما يشعر الشاب برغبة ملحة في إنفاق المال نتيجة التوتر أو الملل، يمكنه بدلاً من استنزاف بطاقته الائتمانية على موقع حقيقي أن يلجأ لتطبيق الدوبامين. يختار ويضيف إلى السلة ويؤكد الدفع ويتابع الطلب الوهمي حتى وصوله، ثم يكتشف في النهاية أن اندفاعه الاستهلاكي قد خمد دون أن يخسر شيئاً مادياً.
تشبه هذه التجربة حمية غذائية رقمية؛ تذوق للطعام دون سعرات حرارية، وهو ما دفع بعض المتخصصين لاعتبارها أداة محتملة للتعامل مع إدمان الشراء القهري في العصر الرقمي.
إذا كانت التطبيقات مجانية، فمن المستفيد؟ تشير التقارير إلى أن هذه المنصات تحقق أرباحاً من الإعلانات المكثفة، أو من بيع بيانات المستخدمين وتفضيلاتهم لشركات التسوق الحقيقية. وبدأت بعض المنصات مؤخراً في دراسة إدخال اشتراكات شهرية مقابل إتاحة تجربة تسوق أكثر واقعية، مما يطرح مفارقة حادة: أن يدفع الشباب أموالاً حقيقية للحصول على حق التسوق دون شراء أي شيء فعلي.
رغم أن هذه التطبيقات تبدو أداة لضبط الميزانية، يحذر خبراء علم النفس السلوكي من جانبها المظلم؛ فتعويد الدماغ على جرعات سريعة من الدوبامين دون بذل جهد حقيقي قد يقود إلى بلادة عاطفية تجاه الإنجازات الواقعية، مما قد يفقد الشباب الدافع للسعي في الحياة الحقيقية، مفضلين البقاء في مصفوفة استهلاك آمنة داخل هواتفهم.