
بينما تتسابق شركات التكنولوجيا لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، تدور في الخلفية معركة صامتة تتنافس فيها اللغات على مكانها داخل بيانات التدريب. أصبحت قدرة الآلة على الفهم والتفاعل مرتبطة بحجم حضور اللغة في مجموعات البيانات الضخمة، حيث تستفيد الإنجليزية والصينية والإسبانية من وفرة المحتوى الرقمي، بينما تكافح مئات اللغات الأخرى من أجل البقاء داخل هذه الخوارزميات.
هذا الخلل لا يؤثر فقط في دقة الترجمة، بل يعيد توزيع النفوذ الرقمي والفرص الاقتصادية، مانحاً بعض المجتمعات أفضلية في الوصول إلى المعرفة، بينما يترك أخرى على هامش الاقتصاد التقني العالمي.
تعتمد النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) على بيانات مجمعة من الإنترنت والكتب، حيث دُربت بعض النماذج على أكثر من 15 تريليون وحدة لغوية. ويؤكد عبد الله المكي، الباحث في معالجة اللغات الطبيعية بجامعة بريتش كولومبيا، أن مجموعات بيانات التدريب تلعب دوراً محورياً في تحديد اللغات التي تصبح مرئية ومفيدة داخل منظومة الذكاء الاصطناعي.
تتجلى الفجوة في الأرقام؛ إذ تضم أرشيفات الويب مليار صفحة باللغة الإنجليزية، مقابل 60 صفحة فقط للغة الكشميرية في قاعدة بيانات كومون كرول. وتوضح أميمة هوران، الباحثة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، أن هذا الضعف يمتد ليشمل اللهجات العربية التي تفتقر إلى تمثيل رقمي عادل مقارنة بالفصحى، مما يؤثر على كفاءة النماذج في التفاعل مع المستخدمين.
يؤدي هذا التفاوت إلى تعميق الفجوة الاقتصادية، حيث تسجل البلدان التي تعتمد على لغات منخفضة الموارد معدلات استخدام للذكاء الاصطناعي تقل بنحو 20% عن المتوقع. ويرى محمود الحاج، الأستاذ بجامعة فين في فيتنام، أن هذه القضية تجاوزت كونها تحدياً تقنياً لتصبح مسألة عدالة رقمية.
تتجه الأبحاث الحالية نحو حلول مبتكرة لتقليص هذه الفجوة، من أبرزها:
تؤكد التجارب، مثل مشروع نايل شات للهجات العربية ومبادرات مايكروسوفت لتعزيز اللغات الأفريقية، أن الاستثمار في البيانات المحلية والشراكات مع المتحدثين الأصليين هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل رقمي عادل، حيث لا تقتصر التكنولوجيا على خدمة اللغات المهيمنة، بل تحتفي بالتنوع البشري في أبهى صوره.