
في مشهد يجسد الإرادة وسط ركام الحرب، يلجأ المزارعون النازحون في قطاع غزة إلى تحويل مساحات صغيرة من الأرض المحيطة بخيامهم إلى حدائق منزلية مصغرة، في محاولة يائسة لتأمين قوت يومهم بعد أن أتى الدمار الشامل على مساحاتهم الزراعية الواسعة.
يسترجع المزارع أبو فارس، وهو ينظر إلى صور قديمة في هاتفه، أمجاد حي الشيخ عجلين في مدينة غزة، الذي كان يوماً ما أيقونة لكروم العنب وأشجار التين والمحاصيل الموسمية. اليوم، تحولت تلك المناطق إلى أراضٍ قاحلة بفعل عمليات التجريف الإسرائيلية المكثفة التي بدأت منذ أكتوبر 2023، مما أدى إلى فقدان آلاف العائلات لمصدر رزقها الوحيد.
على الرغم من نقص المياه والبذور والأسمدة، يواصل مزارعون مثل أبو محمد العمل في التربة، ليس فقط كمصدر للدخل، بل كشكل من أشكال الصمود والتمسك بالأرض. تقول إحدى المزارعات النازحات إنها تعتمد على هذه الطريقة لزراعة الطماطم والباذنجان والفلفل والملوخية لإطعام عائلتها، التي تضم أطفالاً أيتاماً.
وتشير بيانات وزارة الزراعة في غزة إلى أن المساحات المزروعة تراجعت إلى أقل من 15% من قدرتها الإنتاجية المعتادة، نتيجة استهداف المزارعين وتدمير شبكات الري، بالإضافة إلى فرض الاحتلال ما يُعرف بـ الخط الأصفر في المناطق الحدودية، مما يجعل الوصول إلى الأراضي الزراعية السابقة بمثابة حكم بالإعدام.
يرى خبراء أن هذا الدمار ليس عرضياً، بل هو استراتيجية ممنهجة. ويوضح فضل الزعبي، خبير الأمن الغذائي ومستشار السياسات الإقليمي في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، أن تدمير الآبار وشبكات الري والمحاصيل يهدف إلى تجفيف مقومات الحياة، ودفع السكان نحو التبعية القسرية للمساعدات الغذائية.
وقبل اندلاع الحرب، كان القطاع الزراعي يساهم بنحو 10% من اقتصاد غزة ويدعم أكثر من 560 ألف نسمة. أما اليوم، فقد توقف الإنتاج المحلي تماماً، مما يفاقم خطر المجاعة في كافة أرجاء القطاع.
كشفت التقييمات الجغرافية المكانية الصادرة عن الأمم المتحدة عن حجم الخسائر الفادحة:
وعلى الرغم من إطلاق منظمة الفاو نداءً عاجلاً لجمع 75 مليون دولار لدعم المزارعين، إلا أن التمويل لم يتجاوز 10% من هذا المبلغ، مما يترك مزارعي غزة في مواجهة مصيرهم، متمسكين بالأمل في استعادة قطاع كان يوماً العمود الفقري لبقائهم.